تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
تتبّع الخلف بجناية السلف ، وأخذ الوارث بجزيرة المورّث ، وهذه محافظة في العداوة ، ومطاوعة على القساوة ، فيها لحكم الله ردّ ظاهر ، وجرأة عليه تعجل عقبى الجائر ، وسوء مقدرة لا تبعد أن يغضب لها القادر ، واستئناف حرب خاسرها الرابح ومخذولها الظّافر ؛ وقد أكثر الناس المدح لحفظ موات الأموات ، ومصافاة أهل العظام والرّفات ؛ فإمّا المكافاة وهم في كفاة اللّحود ، أو المظاهرة بالعداوة لهم وهم في ضمائر القبور رقود ؛ فما عهد مهده البدعة قائم ، ولا على هذه الشرعة حائم ، وحوشيت من أن تحشر من بين الأمة أمة وحدها ، وتطيع العصبية فتجاوز سمت المروءة وتتعدّى حدّها . هذا وقد استفتحت الخطاب ببيت ، إن ألمّ بما ألمّ به في معناه ، فإنه لا يريد أن يتبعه بما يشيد مبناه ، وهو أنها رأت في صحائف التجارب وتواريخ الأعاجيب ، أنه قل ما تقاول فحلان ، وتصاول بطلان ، إلا استويا في الدنيا النصيبين ، وكانا إلى منهال من وردهما قريبين ، وكان سابقهما طليعة التالي ، وأولهما مقدّمة الثّاني ؛ وإذا كان الله قد أفردها بمدّ طلق البقاء ، وخلّفها لينظر كيف تعمل فيما أمتعها به من النّعماء ، فالأولى أن تحفظ عبدها في أيتامه ، وتخلف عليهم ما غرمه في أيامه ، وتصون مخلّفيه من هتك الأستار ، وحطّ الأقدار ، وتشفي من لا خلاق له من الأشرار ، وتعطيهم بما أطال الله من ذيول أنوائها ، وتحتسب بالحسنة فيهم مع ما كثر الله من ذخائر ثوابها ، ولا يزعج مخلّفوهم بالشكوى إليه في الدّار التي ثوى بها ، فإنّها بحيث ترفع الظّلامة إلى قريب ، من مكان قريب ، وإن سمع الميت ولم يجب فإن الله يسمع ويجيب : [ الطويل ]
تقصّى الذي قد كان بالأمس بيننا * وأسكتني دهري فهل يسكت الدهر
وهو يحلّها من كل ما ارتكبت فيه ، وأطاعته من موارد الأوهام إن حفظت