قال : ولي زيد الهاشمي المدينة ، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا ، وحبس عطرّد فيهم ، وحضر لعرضهم ، وشفع في عطرّد رجال من المدينة وأخبروه أنه من أهل الدين والمروءة ، فخلّى سبيله ، وخرج فإذا هو بالمغنّين قد أحضروا ليعرضوا ، فرجع إليه عطرّد فقال : أصلح الله الأمير ، أعلى الغناء حبست هؤلاء ؟ قال نعم ، قال : فلا تظلمهم فوالله ما أحسنوا شيئا منه قط ، فضحك وأطلقهم جميعا .
10 - الأبجر « 1 »
وكان ذا طرب يفرط في لجاجته ، ويلهي العجول عن حاجته ، ينهب حبّات « 2 » القلوب نهبا ، ويأخذ حباء الملوك غصبا ، لو تغنّى ساعة عرفة لألهى الحجيج ، أو ثبّى يوم منى لأكثر الضجيج ، لو قدمت الخمس الظوامي وهو يترنم إلى الماء ، لطوت جوانحها على الغلل الظماء « 3 » ، وكان لا يرى إلا في هيئة تسرّ المبصر ، وتسوّل للغويّ « 4 » أنه لا يقصر .
قال أبو الفرج ، قال إسحاق : لم يكن أحد أظرف منه ، ولا أحسن هيئة منه ، كانت حلته بمائة دينار ، وكان يقف بين المأزمين « 5 » ويرفع صوته ، فيقف الناس له ويركب بعضهم بعضا .
هامش
( 1 ) الأبجر : هو عبيد الله بن القاسم بن ضبية ، وقيل اسمه : محمد بن القاسم بن ضبية ويكنى أبا طالب ، مولى لكنانة ثم لبني بكر ، وقيل مولى لبني ليث ، وكان يلقب بالحسحاس ، كان ظريفا حسن الهيئة مترفا ، كان بمكة ثم خرج إلى مصر فمات بها . ( الأغاني 3 / 340 - 345 ) .
( 2 ) في الأصل : « جنات » . [ المراجع ] .
( 3 ) في الأصل : « الظلماء » وهو من تصحيف الناسخ . والغلل جمع الغلة : شدّة العطش . [ المراجع ] .
( 4 ) في الأصل اللغوي . والغوي : ذو الغواية ، المستهتر في ما يعمل [ المراجع ] .
( 5 ) المأزمان : موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة ، وهو شعب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرنة ، والمأزم : الطريق الضيق بين الجبال ( ياقوت : المأزمان )