تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
من النساء ، ولا حظي بمثلها أحد من الرؤساء ، ولا سمع مثل شعرها إلا من الخنساء ، وغلبت على هوى الرشيد غلبة أوهنت عرقه ، وأوهنت حدقه ، حتى كاد ينضب بها جدول أمّ جعفر ، وتمر ماردة وتكفر ، فنصبت لها أمّ جعفر أشراك الحيل ، ومدت لها طوائل الطيل « 1 » ، وأقامت من أبي نواس لها قرنا منابذا ، وراميا إليها سهما نافذا « 2 » ، مقبحا لحسنها ، ومبغضا لأجنها « 3 » ، حتى سفّه رأي الرشيد ، ونكّد فيها علة عيشه الرغيد . قال أبو الفرج : نشأت باليمامة وتأدبت ، وهمّ الرشيد أن يبتاعها ، ثم منعه هجاء الشعراء لها ، وكان ذلك بكيد من زبيدة ، دخلت عليه وهي تتبختر ، فقال لها : أتحبين أن أبتاعك ؟ قالت : ولم لا أحب ذلك يا أحسن الناس خلقا وخلقا قال : أما الخلق فظاهر ، وأما الخلق فما علمك به ؟ قالت : رأيت شرارة قد طاحت من المجمرة حين جاء الغلام بالبخور إليك ، فسقطت على ثوبك فأحرقته ، فوالله ما قبضت لها وجها ، ولا راجعت في جنايتها حرفا فقال لها : والله لولا أن العيون قد ابتذلتك لاشتريتك ، ولكن لا يصلح للخلافة ما هذا سبيله ، فاشتراها طاهر ابن الحسين . وروى الأصمعي قال : بعثت إليّ أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر عنان ، فإن صرفته عنها فلك حكمك ، قال : فالتمست وقتا لخطابه فأعوز ، وكنت أهابه فلا أقدم عليه ابتداء ، فرأيت يوما في وجهه أثر الغضب ، فقال : هذا
هامش
صفراء جميلة الوجه شكلة مليحة الأدب والشعر ، سريعة البديهة ، وكان فحول الشعراء يساجلونها ويقارضونها فتنتصف منهم ، توفيت في مصر سنة 226 ه . ( الأغاني 23 / 92 ) . ( 1 ) الطيل والطول : الحبل يربط في وتد ونحوه ، ويطول للدابة فترعى مقيدة . ( 2 ) في الأصل : ( سهاما ناقدا ) وهو من وهم الناسخ . ( 3 ) كذا جاءت الكلمة ولم أتبين لها وجها ولعلها : ( لإحنها ) ، والإحن : الحقد والضغن .