تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وضربت به مبدأ عجيبا ضربا صعبا فيه نقرات متحركات ، فما بقي أحد منهم إلا وثب فجلس بين يدي ، فقالوا : بالله يا سيدي أتغني ؟ قلت : نعم ، وأعرفكم بنفسي ، أنا إسحاق الموصلي ، والله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني ، وأنتم تسمعوني ما أكره منذ اليوم ، لأني تملحت معكم ، وو الله لا نطقت بحرف ، ولا جلست معكم ، حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغث ، فقال له صاحبه : من هذا حذرتك ، فأخذ يعتذر ، فقلت : ما أنطق بحرف أو تخرجوه ، فأخذوا بيده فأخرجوه ، فبدأت فغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي ، فقال لي الرجل : هل لك في خصلة ؟ وما هي ؟ قال : تقيم عندي شهرا ، والجارية والحمار لك مع ما عليها من حليّ ، فقلت : أفعل ، فأقمت عنده شهرا ، لا يعرف أحد أين أنا ، والمأمون يطلبني في كل موضع ، فلا يعرف لي خبرا ، فلما كان بعد ثلاثين يوما ، سلم إليّ الجارية والحمار والخادم ، فجئت بذلك إلى منزلي ، وركبت إلى المأمون من وقتي ، فلما رآني قال : إسحاق ، ويلك أين تكون ؟ فأخبرته ، فقال : عليّ بالرجل الساعة ، فدللتهم عليه ، فأحضر ، فسأله المأمون عن القصة فأخبره بخبرها وخبر الرجل المعربد ، وما حلفت من إخراجه ، فقال : أنت رجل ذو مروءة ، وسبيلك أن تعان على مروءتك ، ثم أمر له بمائة ألف درهم ، وقال له : لا تعاشر ذلك الرجل المعربد ، وامر لي بخمسين ألف درهم ، وقال لي : أحضر الجارية ، فأحضرتها فغنته ، فقال لي : قد جعلت عليها نوبة في كل يوم ثلاثاء تغنيني من وراء الستار مع الجواري ، وأمر لها بخمسين ألف درهم ، فربحت وأربحت . قال إسحاق : دخلت يوما دار الواثق بغير إذن ، إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا ، فسمعت صوت عود من بيت [ ص 193 ] وترنما لم أسمع مثله قط حسنا ، فأطلع خادم رأسه ثم ردّه وصاح بي ، فدخلت فإذا الواثق ، فقال لي : أي شيء سمعت ؟ فقلت : الطلاق لي لازم ، وكل مملوك لي حر ، لقد سمعت ما لم