تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وصنع فيه لحنا شرب الواثق عليه بقية يومه ، واستحسن شعره وغناءه وصنعته ، ووصله بصلة سنية . وكان لدخول عبد الله في الغناء سبب حكاه وقصد استهون به فحواه ، واستهول عقباه حتى أصباه ، وذلك أنه هوي جارية لعمته وكان لا يقدر عليها ولا يستطيع الجلوس إليها ، خيفة أن يبدو حبه فتمنعه عنها ، وتفطن لما بطن فلا تمكنه منها ، فأسر في نفسه غرضه ، وداوى مرضه بعلة ممرضة وجملة معترضة ، واحتال في رأي على عمته عرضه ، هو أنه أظهر لها الرغبة في الغناء وتعلمه ، واستكتمها عن جده في تكتمه ، فأنفت [ ص 156 ] له عمته الغناء ومذهبه ، وكرهت ما يشين أباه وجده ومنصبه ، فأبى إلا طربا ، وتصابى حتى صبا ، وتلاعب حتى جد لعبا ، وداوم حتى أحسن قوة التصنيف ، فصنع صوتين أنفق عليهما جهده من التثقيف ، وعرضهما على الجارية ، فقالت : هذا في الصنعة فوق الاتقان ، ولا يحسن أحد في الزمان أكثر من هذا الإحسان ، ونمى خبر الصوتين حتى غنيا للرشيد ، فسأل عنهما وعلم لمن هما ، فطلب جده وحدثه بما عنده ، وعتبه على إخفاء أمره ، وظن أنه يعلم به وقد أخفاه عنه ، فأقسم الفضل أنه إلى الآن لم يعلم أن له ولدا من الغناء بهذا المكان ، ثم كان من شهرته ما كان . وقد ذكر أبو الفرج هذه القصة فقال : قال أحمد بن المرزبان ، حدثني عبد الله ابن العباس قال : كان سبب دخولي في الغناء وتعلمي إياه ، أني كنت أهوى جارية لعمتي رقية بنت الفضل بن الربيع ، وكنت لا أقدر عليها ولا الجلوس معها ، خوفا من أن يظهر مالها عندي فيكون سببا لمنعي منها ، فأظهرت لعمتي أنني أشتهي أن أتعلم الغناء ، ويكون ذلك [ في ] ستر من جدي ، وكان جدي وعمتي على حال من الرقة علي والمحبة لي لأن أبي توفي في حياة جدي الفضل ، فقالت : يا بني ، ما دعاك إلى ذلك ؟