تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
نعوشها . رأس في ملته ، وكان رئيس محلّته ، لخلال حمدت ، وأفضال شعله ما خمدت ، وكان من أئمة العيسوية ، وذوي القسمة بالسوية ، إلى صحة حدس وذكاء نفس وكرم عشيرة ، وشيم بالتقلل مشيرة . قال ابن أبي أصيبعة : " كان نصرانيا من الملكية « 1 » ، عالما بشريعة النصارى ، وجعل بطرك الإسكندرية . حكي أنه كان للرشيد جارية مصرية كان يحبها ، فاعتلت علة عظيمة ، فعالجها الأطباء فلم تنتفع بشيء ، فقيل له : لو بعثت إلى عاملك بمصر ليبعث إليك بطبيب منها ، فإنه أبصر بهذه الجارية من أطباء العراق . فكتب إليه فبعث إليه ببلطيان ، وكان طبيبا عارفا حاذقا ، فأخذ معه من كعك مصر ، والصير « 2 » المعمول بها ، فلما أتى بغداد ودخل على الجارية أطعمها من الكعك والصير فرجعت إلى طبعها ، وزالت عنها العلة ، ووهب له الرشيد مالا جزيلا وكتب له منشورا بإعادة كل كنيسة تغلّب اليعاقبة « 3 » فيها على الملكية ، ثم أمر بأن يكون يحمل مثل هذا الكعك والصير إلى خزانة السلطان في كل وقت ، فكان ذلك لا يزال يحمل موظفا فيما يحمل إليها إلى آخر أيام المتوكل . 2
هامش
( 1 ) : الملكية : هم المسيحيون الذين خضعوا للمجمع الخلقيدوني الذي انحاز إليه الملك مرتيانوس ، وهم في طاعة بطريرك أنطاكية ، لغتهم الطقسية اليونانية والعربية . ( 2 ) : الصير : السمك المملح . ( 3 ) : اليعاقبة : طائفة من النصارى قالت بالطبيعة الواحدة يسمون اليوم السريان القديم أو الأرثوذوكس تمييزا من السريان الكاثوليك .