تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
كان في سن الوليد حبيبا ، فطلع بدرا كامل الأنوار ، وطء بحرا يتمسك له بجوار حتى استهل سحابا ، واستقل انسكابا ، وكان لبيته تقف عليه زمر ، وركبا يحج إليه ويعتمر . قال ابن أبي أصيبعة فيه : " مشهور بالحذق والمعرفة ، وله علاجات مختارة تدل على قوته في الصناعة ، واطّلاعه على دقائقها ، وكانت له في هذا نوادر ، ومعرفة بأحوال المرضى من غير أن يستخبرهم ، بل لمجرّد جسه لعروقهم ونظره إلى قواريرهم ، وحظي في دولة المرابطين " . وقال ابن جميع « 1 » أن رجلا من التجار جلب نسخة فائقة من كتاب القانون إلى الأندلس ، فأتحف أبا العلاء بن زهر بن تقرّبا إليه ، ولم يكن وقف عليه ، فلما تأمّله ذمّه واطّرحه ولم يدخله خزانة كتبه ، ثم جعل يقطع من طرره « 2 » ويكتب فيها نسخ الأدوية للمرضى . وقال أبو يحيى اليسع بن حزم « 3 » أن أبا العلاء زهرا كان مع صغر سنه تصرخ النجابة بذكره ، وتخطب المعارف بشكره ، ولم يزل يطالع كتب الأوائل متفهما ، ويلقى جلة الشيوخ متعلما ، حتى برز في الطب إلى غاية عجز الطلب عن مرامها ، وصرف الفهم عن إبرامها ، إلى أن خرجت عن قانون الصناعة إلى ضروب الشناعة ، يخبر فيصيب ، ويضرب في كل ما ينتحله بأوفى نصيب ، ويستغرف المدى ويغبر في وجوه سوابق الفضلاء علما ومحتدا ، ويفوق الجلة سماحة لا توصف ، وندى لولا بذاذة لسان وعجلة ركب عليها الإنسان ، وأي الرجال تكمل
هامش
( 1 ) : ابن جميع المصري في كتابه " التصريح بالمكنون في تنقيح القانون " ذكره ابن أبي أصيبعة 518 . ( 2 ) : أي حواشيه . ( 3 ) : أبو يحيى اليسع بن عيسى بن حزم ابن اليسع في كتاب : " المغرب عن محاسن أهل المغرب " ذكره ابن أبي أصيبعة .