تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
لهم : والله إن لم يخرج دما وإلا خرج الدم من غير اختياره ، فما مضى أيسر وقت حتى طفر الدم من أنفه ، ورعف رعافا كثيرا ، وصلح ، فعلم أنه ليس في الكل مثله . ومنه : أنه كان يوما على باب دار السلطان في جماعة من الأطباء ، إذ خرج خادم ومعه قارورة جارية يستوصف لها لشيء شكت منه ، فلما رأوها ، وصفوا لها ما حضرهم . فقال الدخوار : إن هذا الذي شكت منه ما يوجب صبغ الماء هكذا ، ويوشك أنه من حناء اختضبت به . فقال له الخادم : نعم ، تخضّبت بحناء . فأخبر العادل بذلك ، فتزايد حسن اعتقاده فيه . ومن أحسن ما يؤثر عنه أن الملك العادل كان قد غضب على قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي لأمر نقمه عليه ، وأمر باعتقاله بقلعة دمشق ، إلى أن يزن عشرة آلاف دينار مصرية ، وشدّد عليه ، فأقام في السجن والمطالبة ، ووزن البعض ، وعجز عن البقية ، وقال السلطان : إن لم يزن وإلا عذّبته . فتحيّر القاضي وباع جميع موجوده وأثاث بيته ، حتى الكتب التي له ، وتوسّل إلى السلطان بكثير من الأمراء والخواص في المسامحة أو التقسيط ، فلم يقبل ، فأتى الدخوار إليه ليتفقده لمودة قديمة بينهما ، فشكا إليه حاله ، وما قد تم عليه ، فوعده بالمساعدة بحسب الطاقة ، ثم قام فدخل على أم الصالح إسماعيل ابن العادل ، وكانت ممرضة ، فلما دخل عليها عرّفها بحديث القاضي وأنه مظلوم ، وسألها في أمره ، فقال : كيف أحدّث السلطان في أمر من لا أعرفه ؟ ولو كان طبيبا يدخل علينا أو تاجرا نعامله لأمكن الكلام فيه . فقال لها : فثمّ طريق آخر يحصل به القصد . قالت : وما هو ؟ . قال : في وقت يكون السلطان نائما عندك تظهرين له أنك رأيت مناما يقتضي أن القاضي مظلوم ، وعرّفها ما تقول . فقالت : هذا يمكن . فلما عوفيت أتاها الملك العادل ، فنام عندها وهي إلى جانبه ، فلما كان آخر الليل انتبهت وأظهرت