ثمامة فحلّت ، ثم أتي بها فرمى بها في فيه ، وابتلعها ، فوالله ما وصلت إلى جوفه حتى سمعت منه أصواتا لم أشك في أني لم أبلغ باب داره إلا وقد مات ! .
فنهضت ومتطبّبي معي ، وما أعقل غما . وأمرت خادما لي يكون يحمل معي الأسطرلاب إذا ركبت بالمقام في داره ، وتعرّف خبر ما كان يكون منه ، فتخلّف . فوافاني كتاب الخادم بعد الزوال يعلمني أنه قام بعد طلوع الشمس إلى زوالها خمسين مرة .
فقلت : تلفت والله نفس ثمامة . ثم وافى كتاب الخادم بعد غروب الشمس أنه قام منذ زوال الشمس إلى غروبها عشرين مجلسا . ثم صار إليّ الغلام مع طلوع الشمس فذكر أنه لم يكن منه منذ غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ثلاثة مجالس ! ، ولم يكن منه إلى وقت طلوع الفجر شيء .
فركبت إليه بعد أن صليت الغداة ، فوجدته نائما ، وكان لا ينام ، فانتبه لي ، وسألته عن خبره ؟ .
فأخبرني أنه لم يزل في وجع من جوفه مانع له من النوم والقرار منذ أكثر من أربعين ليلة ، حتى أخذ تلك الشربة ، فلما انقطع فعل الشربة انقطع عنه ذلك الوجع ، وأنه لم يشته طعاما منذ ذلك الوقت ، وأنه ما يصبر في وقته من غلبة الجوع عليه ، وسأل الإذن في الأكل . فأذن له يزيد في أكل " اسفيذاج " « 1 » قد طبخ في فروج كسكري سمين ، ثم إتباعها " زيرباجة " « 2 » ، ففعل ذلك .
هامش
( 1 ) : الاسفيذاج : هو القنبيط عند أهل مصر ، ولا شك أنه سمي بذلك لأن لونه يشبه في بياضه مسحوق التجميل ، ففي المستعيني مادة كرنب شامي : وأهل مصر يسمونه الاسفيذاج . انظر تكملة المعاجم العربية 1 / 134 .
( 2 ) : الزيرباج : تعني بالفارسية قصعة الكمون ، ثم عنت فيما بعد : طعاما يتخذ من السكر واللوز والخل . - كما في المعجم المنصوري - . انظر : تكملة المعاجم العربية - 5 / 399 .