تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وألسن بليغة ، وأنساب صحيحة ، وأحساب شريفة ، يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة « 1 » الرام ، أعذب من هواء الربيع ، وألين من السلسبيل المعين ، مطعمو الطعام في الجدب « 2 » ، وضاربو الهامّ « 3 » في الحرب ، لا يرام عزمهم ، ولا يضام « 4 » جارهم ، ولا يستباح حريمهم ، ولا يذلّ كريمهم ، ولا يقرّون بفضل للأنام إلا للملك الهمام الذي لا يقاس به أحد ولا يوازيه سوقة « 5 » ولا ملك . قال : فاستوى كسرى جالسا ، وجرى ماء رياضة الحلم في وجهه ، وقال لجلسائه : إني وجدته راجحا ، ولقومه مادحا ، وبفضلهم ناطقا ، [ وبما يورده من لفظه ] صادقا ، وكذلك العاقل الذي أحكمته التجارب . ثم أمره بالجلوس ، فجلس . ثم قال : كيف بصرك بالطب ؟ . قال : ناهيك « 6 » . قال : فما أصل الطب ؟ . قال : الأزم . قال : فما الأزم ؟ .
هامش
( 1 ) : النّبع : شجر يتخذ منه القسيّ وتتخذ من أغصانه السهام الواحدة نبعة . ( 2 ) : الجدب : المحل نقيض الخصب . وفي حديث الاستسقاء : هلكت المواشي وأجدبت البلاد ، أي قحطت وغلت الأسعار . ( 3 ) : الهام : جمع هامة ، وهي : الرأس . ( 4 ) : ضامه حقّه يضيمه واستضامه : انتقصه ، فهو مضيم ومستضام . ( 5 ) : السّوقة : بمنزلة الرعية التي تسوسها الملوك ، سمّوا سوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم ، يقال للواحد سوقة وللجماعة سوقة . الجوهري : والسّوقة خلاف الملك . ( 6 ) : ناهيك : من قولهم : " وناهيك من رجل " كقولك : حسبك ، ومعناه : أنه غاية فيما تطلبه ، وينهاك عن تطلب غيره .