وألسن بليغة ، وأنساب صحيحة ، وأحساب شريفة ، يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة « 1 » الرام ، أعذب من هواء الربيع ، وألين من السلسبيل المعين ، مطعمو الطعام في الجدب « 2 » ، وضاربو الهامّ « 3 » في الحرب ، لا يرام عزمهم ، ولا يضام « 4 » جارهم ، ولا يستباح حريمهم ، ولا يذلّ كريمهم ، ولا يقرّون بفضل للأنام إلا للملك الهمام الذي لا يقاس به أحد ولا يوازيه سوقة « 5 » ولا ملك .
قال : فاستوى كسرى جالسا ، وجرى ماء رياضة الحلم في وجهه ، وقال لجلسائه : إني وجدته راجحا ، ولقومه مادحا ، وبفضلهم ناطقا ، [ وبما يورده من لفظه ] صادقا ، وكذلك العاقل الذي أحكمته التجارب .
ثم أمره بالجلوس ، فجلس . ثم قال : كيف بصرك بالطب ؟ . قال : ناهيك « 6 » .
قال : فما أصل الطب ؟ .
قال : الأزم .
قال : فما الأزم ؟ .
هامش
( 1 ) : النّبع : شجر يتخذ منه القسيّ وتتخذ من أغصانه السهام الواحدة نبعة .
( 2 ) : الجدب : المحل نقيض الخصب . وفي حديث الاستسقاء : هلكت المواشي وأجدبت البلاد ، أي قحطت وغلت الأسعار .
( 3 ) : الهام : جمع هامة ، وهي : الرأس .
( 4 ) : ضامه حقّه يضيمه واستضامه : انتقصه ، فهو مضيم ومستضام .
( 5 ) : السّوقة : بمنزلة الرعية التي تسوسها الملوك ، سمّوا سوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم ، يقال للواحد سوقة وللجماعة سوقة . الجوهري : والسّوقة خلاف الملك .
( 6 ) : ناهيك : من قولهم : " وناهيك من رجل " كقولك : حسبك ، ومعناه : أنه غاية فيما تطلبه ، وينهاك عن تطلب غيره .