تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
أسرارها ، وخفايا أسفارها ، وحيي به ما مات في لحود رممها ، وفات بجمود هممها ، واستقل بتلك الأعباء ، فحصّل ما كان طالبا ، وحسّن بإنفاقه ما جاء جالبا . قرأ الطب على ابن النفيس ، وغيره . وقرأ الحكمة ، وآخر ما قرأ كتاب " الشفاء " لابن سينا على شيخنا الأصفهاني . كان يتردد إليه من القاهرة إلى الخانقاه القوصونية بالقرافة ، لا يعنيه إلا القراءة عليه ، ولم يزل حتى أكمله قراءة وبحثا ، واستشراحا . وكان طبيبا حكيما ، فاضلا ، متفلسفا ، قائلا بالروحانيات ، له ميل إلى النجامة ، ومخاطبات الكواكب ، وتطلع إلى الكيمياء ، يتحدّث فيه ، ويصحح قول المتقدمين في صحتها . وحكي لي أنه كان يصحب ابن أمير يعرف بابن سنقر الرومي ، وأنه كان يعملها ، وصحّت معه طرف منها . وكان يحكى عن هذا ابن سنقر الرومي عجائب وغرائب منها أنه عمل له فسقية « 1 » معقودة في تربة له بالقرافة ، لها منافس للهواء . فلما نجزت اتخذ له غذاء مركّبا مما يخف مقداره ، وتكثر تغذيته ، ونزل إلى تلك الفسقية ، وأمره بتعهّده في كل أسبوع ، ويجدّد له الماء ، وأنه بقي يتعهّده كذلك . ولكّما أتاه بعد أسبوع ، وجده قد تزايد ضعفه عما فارقه عليه ، حتى كان رابع أسبوع - قال : أو خامسه ، الشك مني - أتيته فوجدته قد غارت عيناه ، وخفت حسّه ، حتى ظننت أنه قد مات ، فحملته أنا وآخر كان قد أطلعه على حاله معي ، وأخرجناه ،
هامش
( 1 ) : الفسقية : مجمع الماء ، جمعه فساقي ، قال الشهاب الخفاجي : هي عامية صرفة ، وقال غيره : اشتهرت في الاستعمال وعبارات الفقهاء ، ولا أدري لها أصلا . والفسقية في عرف المصريين : اسم للقبر الكبير يدفن فيه كثير ، وأهل الشام تسميه الخشخاشة .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 283 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام