تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
يطول روحه على العليل ، كثير النزاقة « 1 » ، عديم التلطّف ، كارها لأطباء زمانه ، لا يذكر أحدا منهم ولا يذكر له إلا وذمّه ، وأطلق لسانه في معايبه . وكان يقول : هؤلاء اليهود قد ارتفع رأسهم ، وامتلئوا فوق وسعهم على جهلهم ، وقلة حاصلهم ، يعني : " السديد الدمياطي " و " فرج الله ابن صغير " ولا يزال يتوقّد منهما غيظا وحسدا لرغبة السلطان والأمراء والكبراء فيهما أكثر منه ، وما كان يحصل لهما من الخلع والإطلاقات « 2 » ، ويصل إليهما من دور السلطان والأمراء لإفراط ميل النساء إلى طبهما ، وملاطفتهما . ثم كان إذ ذمّهما يقول لمن يثق به : " وهذا إبراهيم ابن المغربي هو مادّة عزّ هؤلاء اليهود ، وكنز غناهم ، وبه طاروا وحلّقوا " . وهذه ألفاظه بعينها . وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة ، مؤقتة من الظهر إلى الظهر . وكان يحب لبن الضأن ، ويكثر أكله . صحبناه مرة في بلاد الصعيد وكان هو قد تقدم مع " طقزدمر " « 3 » ، وأخبرني أنه لم يأتدم في تلك السفرة على طول أيامها بشيء غير اللبن إلا مرّات يسيرة ، وقال : هو غذاء صالح ، وللجسم به إلف من أول زمان الرضاع . وكان أنه ينشّفه ويلقي فيه طاقات من النعنع والملح ويأكله . وكان واسع النعمة كثير المال ، ومات أخوه وورث منه مالا كثيرا ، فازداد ماله
هامش
( 1 ) : النزاقة : حدّة الطّبع . ( 2 ) : الإطلاقات السلطانية : هي إما تقرير يوافق عليه السلطان أو الملك لما قرره من سبقه من الملوك أو السلطان . وإما ابتداء لتقرير ما لم يكن مقررا من قبل . وإما زيادة على ما هو مقرر ، ومن ذلك ما أقره السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب للعمريين أعصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . انظر : صبح الأعشى للقلقشندي 13 / 41 ، والتعريف بمصطلحات صبح الأعشى 36 . ( 3 ) : طقزدمر : الأمير ، نائب قوصون أتابك العساكر في سلطنة المنصور أبي بكر بن الناصر محمد بن قلاوون سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من الهجرة . انظر : صبح الأعشى 4 / 180 .