تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 1 » . وآياتهم انقطعت بموتهم ، وعرفها من بعدهم بأخبار سلفهم ، وجعل من معجزات نبينا صلى اللّه عليه وسلّم القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأشرك فيه الخلف والسلف ، وجعله باقيا على مرور الأيام وبعد الأحوال . وقال أبو عثمان لغائب عليه كتب عيب الكتاب : ونعم الذخر والعقدة ، ونعم النشرة والنزهة ، ونعم المشتغل والحرفة ، ونعم الأنيس ساعة الوحدة والمعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدخيل والوزير والتنزيل . والكتاب وعاء ملئ علما وظرف حشي ظرفا ، وإناء سخّن مزاجا وجدّا ؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل ، وإن شئت كان أعيا من بأقل ، وإن شئت ضحكت من نوادره ، وعجبت من غرائب فوائده . وإن شئت سختك مواعظه . ومن لك بواعظ مله ، وببارد حار ؟ ومن لك بطبيب أعرابي ، وبرومي وهندي وبفارسي يوناني ، وتقديم مولد ممتّع وبشيء يجمع لك الأول والآخر ، والناقص والوافر ، والشاهد والغائب والحسن وضدّه ؟ وبعد ، فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن ، وروضة في قلب ؟ ينطق عن الموتى ويترجم كلام الأحياء . ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلّا بما تهوى ؟ آمن من أرض وأكتم للسر من صاحب السرّ ، واضبط بحفظ الوديعة من أرباب الوديعة ، وأحفظ لما استحفظ من الأميّين ، ومن الأعراب للمعربين ؛ بل من الصبيان قبل اعتراض الاشتغال حين العناية تامة لم تنتقص ، والأذهان فارغة لم تقتسم ، والإرادات وافرة لم تتشعب ، والطينة ليّنة ؛ فهي أقبل ما يكون للطابع ، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق ، حين هذه الخصائل لم يلبس جديدها ، ولم تتفرق قواها كانت كقول الشاعر : [ الطويل ]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر : اكتب شعري ، فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة ، قد تعب في طلبها يوما أو ليلة فيضع موضعها كلمة في وزنها لم ينشدها الناس ، والكتاب لا ينسى ، ولا يبدّل كلاما بكلام وعيب الكتاب . ولا أعلم جارا
هامش
( 1 ) المائدة 5 / 24 .