تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
الفاضل رحمه الله ، وقد ذكره وما منّا إلّا من دخل داره ، وشنّ على كلامه الغارة ، وخرج وعلى كتفه منه الكارة . قلت : أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي ، وأبي زيد الأنصاري ، وأخذ النحو عن الأخفش ، وكان صديقه . وأخذ الكلام عن النظّام ، وتلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد . حدّث أبو هفان قال : لم أر قطّ ولا سمعت أحبّ إلى الجاحظ من الكتب والعلوم ؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلّا ليستوفي في قراءته كائنا ما كان ؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها . والفتح بن خاقان كان يحضر لمجالسة المتوكل ، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابا من خفّه أو كمّه إلى حين عوده من الخلاء لمجالسة المتوكل ، فإذا أراد القيام لحاجة قضى شغله . وكان واسع العلم بالكلام ، كثير التبحر فيه ، شديد الضبط لحدوده ، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا . وله كتب مشهورة جليلة في نصرة الدين ، وفي حكاية مذاهب المخالفين والأخلاق والآداب ، وفي ضروب الهزل والجدّ ؛ وقد قرأها الناس وتداولوها وعرفوا فضلها . وإذا تدبّر العاقل المميّز كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان ، ومعرفة أصول الكلام وجواهره ، وإيصال خلاف الإسلام ، ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة . قال الجاحظ : لمّا مسخ اللّه الإنسان قردا وخنزيرا وترك فيه شبها من الإنسان . ولما مسخ اللّه زماننا لم يترك فيه شبها من الزمان . وقال الجاحظ : ليس جهد البلاء مدّ الأعناق وانتظار وقع السيف ؛ لأنّ الوقت قصير والحس مغمور ، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة ، وتعجز للحيلة ، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عمّ شامتا وجارا حاسدا ووليّا ينتهرك . وقال : إذا سمعت الرجل يقول : ما ترك الأول للأخير شيئا فاعلم ما يريد أن يفلح . وقيل : إن الجاحظ خدم في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام ، ثم استعفى فأعفي .