تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
الوهّاج تألقا . ولا ننسى مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل ، واللفظ الجزل والصدر الرحيب والوجه الصلب ، واللسان العضب كالحجاج ، وفلان وفلان مع سادة الدين وبهجة العلم . لا تثنيه لائمة في الله ، ولا تذهله رابعة عن اللّه يجلس تحت كرسيّه قتادة صاحب التفسير وعمرو وواصل صاحب الكلام ، وابن أبي إسحاق صاحب النحو ، وفرقد السخي صاحب الرقائق ، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم . فمن ذا مثله ومن يجري مجراه ؟ . والثالث ، أبو عثمان الجاحظ ، خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين ، ومدرة المتقدمين والمتأخّرين . إن تكلم حكى سحبان « 1 » في البلاغة ، وإن ناظر سارع النظّام في الجدال ، وإن جدّ خرج في ليل عامر بن عبد قيس ، وإن هزل زاد على مريد حبيب القلوب ومزاح الأرواح . وشيخ الآداب ولسان العرب . كتبه رياض زاهرة ، ورسائله أفنان مثمرة . ما نازعه منازع إلّا رشأه أبقى ولا تعرّض له منقوص إلّا قدّم له التواضع واستبقى . الخلفاء تعرفه والأمراء تصفه والكبراء تنادمه ، والعلماء تأخذ عنه ، والخاصة تسلّم عليه والعامة تحبّه . جمع بين اللسان والقلم ، وبين الفطنة والعلم وبين الرأي والأدب ، وبين النثر والنظم ، وبين الذكاء والفهم . طال عمره وفشت حكمته ، وظهرت حيلته ، ووطئ الرجال عقبه ، وتهادوا أدبه ، وافتخروا بالانتساب إليه ، ونجحوا بالاقتداء بما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب . قال صاحب بغية الألباء : هذا قول ثابت . وهو رجل صابئيّ ، لا يرى للإسلام حرمة ، ولا للمسلمين حقّا ، لا يوجب لأحد منهم ذماما ، وقد انتقد هذا الانتقاد ونظر هذا النظر ، وحكم بهذا الحكم ، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهوى ، ونفس لا لطخ بها من التقليد ، وعقل ما يحيل عليه بالعصبية . ولسنا نجهل مع ذلك فضل هؤلاء الثلاثة من السلف الطاهر والخلف الصالح ولكن عجبنا فضل عجب من رجل ليس منّا ، ولا من أهل
هامش
( 1 ) سحبان : اسم رجل من وائل . كان لسنا بلغيا ، يضرب به المثل في البيان والفصاحة ، فيقال : أفصح من سحبان وائل : اللسان ( سحب ) 6 / 185 .