تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
فضله ، وواتاه من حسن فعله إلّا أنّ حساده على كثرة عددهم لم يجمعوا لديه إلا جمع القلّة ، ولا متّ الصحيح إليه إلّا بما يلزمه من حروف العلّة ؛ لعلوّ رتبة اخترق أطباقها ، وجارى النجوم وبذّ « 1 » سباقها فحلّ النجاد « 2 » ، وخلّى البجاد « 3 » وأجاد ، وغيره في أبي جاد . ولد في سلخ جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمئة بحلب . وسمع ابن الليثي وابن النفيس النحوي وابن رواحة وابن خليل ووالده . وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي ، وأخذ العربية عن الجمال بن عمرون ، واستوطن مصر لمّا خربت حلب . وقرأ على الكمال الضرير وغيره . ثم جلس للإفادة ، وتخرج به جماعة من الأئمة وفضلاء الأدب ، وكان من الأذكياء . وله خبرة بالمنطق وأقليدس ، وكان مشهورا بالصدق والعدالة والدين مع اطّراح الكلفة وصغر العمامة ويمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه . وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة ، وكان له مكانة من الناس . وإذا انفرد بشهادة حكم فيها ، واقتنى كتبا كثيرة نفيسة ، ولم يتزوج . وكان له أوراد من العبادة ، كثير التلاوة ، كثير الذكر . يسعى في مصالح الناس . قال أبو الصفا : حكى لي عنه القاضي عماد الدين إسماعيل ابن القيسراني أنه لم يأكل العنب ، قال : لأنه كان يحبّه فآثر أن يكون نصيبه في الجنّة . وقال : أخبرني الحافظ ابن سيد الناس اليغمري ، قال : زكّى بعض الفقهاء تزكية عند بعض القضاة ما زكّاها أحد قطّ ؛ لأنه أمسك بيد المزكي ، وقال للقاضي : الناس ما يقولون : ما نؤمن على الذهب والفضة إلّا حمار . قال : نعم . قال : وهذا حمار . وانصرف بحكم القاضي بعدالة ذلك المزكي .
هامش
( 1 ) بذّ سباقها : غلبهم وفاق عليهم . اللسان ( بذذ ) 1 / 351 . ( 2 ) النجاد : ما وقع على العاتق من حمائل السيف : اللسان ( نة د ) 14 / 49 . ( 3 ) البجاد : كساء مخطط من أكسية الأعراب . اللسان ( بجد ) 1 / 317 .