تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
قال : وأخبرني غير واحد عنه أنه لم يزل عنده في بيته من الطلبة ومن أصحابه من يأكل عنده على ما يديه ، ولا يدخر شيئا ، ولا يخبئه عنهم . ويدخل الداخل عليه فيجد في بيته هنا أناس يلعبون بالشطرنج وهنا أناس يطالعون وكل واحد في شأنه ، لا ينكر أحد على أحد شيئا ، ولا يزال رضيا حتى يكون وقت الاشتغال فيتنكّر . وكان ربّما تنسّم فقام وأكمل إلقاء الدروس للطلبة بين القصرين وهم يمشون . وكان لا يتكلم في حلّ النحو إلّا بلغة العوام ، لا يراعي الإعراب . قال شيخنا أبو حيّان : كان بهاء الدين ابن النحاس ، ومحيي الدين محمد بن عبد العزيز الماروني ، المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية ، ولم ألق أحدا أكثر سماعا منه لكتب الأدب . وانفرد بسماع الصحاح للجوهري . وكان ينهى عن الخوض في العقائد ، ويتردد إلى من ينتمي إلى الخير . ولي التفسير بالجامع الطولوني وبالقبة المنصورية ، والتصدر بالجامع الأقمر وتصادير بمصر ، ولم يصنف شيئا إلّا ما أملاه على سنان الدين الرومي شرحا لكتاب المقرّب ، إلى أول باب الوقف أو نحوه . وكنت أنا وإيّاه يمشي بين القصرين فعبر علينا صبي يدعى بجمال وكان مصارعا ، فقال ابن النحاس : لينظم كلّ منّا في هذا المصارع . فنظم ابن النحاس : [ البسيط ]
مصارع تصرع الآساد سمرته * تيها فكل مليح دونه همج « 1 »
لما غدا راجحا في الحسن قلت لهم * عن حسنه حدّثوا عنه ولا حرج
ونظم شيخنا أبو حيّان : [ الطويل ]
سباني جمال من مليح مصارع * عليه دلال للملاحة واضح
لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونه * وإن خفّ منه الخصر فالرّدف راجح
وسمع شهاب الدين الفزاري بذلك فقال : [ السريع ]
هامش
( 1 ) همج : رعاع . اللسان ( همج ) 15 / 129 .