ولا تصنيف ، ولا يعدّ في رحله شيء ولا مضيف . غطّى سيله على الفرا « 1 » وطفا درّه فكثر مدد الجوهري . وكان عالما بالآداب واللغات متبحرا فيهما ، مقدما في معرفتهما وإتقانهما .
سكن مدينة بلنسية ، وكان الناس يجتمعون إليه ، ويقرءون عليه ويقتبسون . وكان حسن التعليم جيّد التفهيم ، ثقة ضابطا . ألّف كتبا نافعة ممتعة ، وشرح عدّة كتب . وكل شيء يتكلّم فيه فهو في غاية الجودة . ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس . وتوفي في منتصف رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمئة .
ومن نظمه قوله : [ الطويل ]
أخو العلم حيّ خالد بعد موته * وأوصاله تحت التّراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى * يظنّ من الأحياء وهو عديم
وقوله في طول الليل : [ الطويل ]
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة * كما شبت أم في الجوّ روض بهار
كأن اللّيالي السّبع في الجوّ جمّعت * ولا فصل فيما بينها بنهار
قوله من أول قصيدة مدح بها المستعين بن هود : [ الطويل ]
وهم سلبوني حسن صبري إذ بانوا * بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللّوى إنّ مهجتي * مسايرة أضعانهم حيشما كانوا
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم * ينازعها مزن من الدمع هتّان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجع * وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلة عبرا وبين جوانحي * فؤاد إلى لقياكم الدهر حنّان
تنكّرت الدنيا لنا بعد بعدكم * وحلّت بنا من معضل الخطب ألوان
هامش
( 1 ) تقول العرب : تركته يفري الفرا ، أو الفريّ : إذا عمل العمل أو السقي فأجاد . اللسان ( فرا ) 10 / 255 .