تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
مقتله بسيف السلطان لا بالعشق وتسويل الشيطان . كان فقيرا متصوفا بالخانقاه السميساطية . وكان يجلس للإقراء بالكلاشة ، ويقرأ عليهم النحو واللغة . وكان أكثر إقرائه في مقدّمة ابن الحاجب ، وكان يحبّها . ويثني عليها ويقول : هي نحو ظريف ، واستفاد به جماعة . وكان دمث الاخلاق حسن العشرة عشاقا طامح النظرات . وأحبّ في آخر عمره صبيا من أبناء الجند يعرف بابن الدمرداش . وكان له أخ أحسن منه ، وكان يخرج إلى سوق الخيل فيقف به ليراه إذا مرّ به في المركب ، فقال له شيخنا ابن الزملكاني : يا شيخ ضياء الدين ، لأيّ الآتيين أنت عاشق ؟ فقال : لغلام ، سمّاه . فقال له ابن الزملكاني : يا شيخ ضياء الدين ، فلأي شيء ما عشقت هذا ، فاعشق أنت ذاك . فقال له : إذا أذنت لي عشقته . فقال له : أنت ما تحتاج إلى إذن . قال : ولم قال لآذانك طوال ؟ وكان يأخذ في يده حزمة من الرياحين ، ويطوف بها أكناف المدينة ، فإذا رأى مليحا أدنى إليه تلك الرياحين فشمّمه إيّاها ، فإذا عتب به أحد من الرجال ، وذو اللّحى ، وقال له شمّمني قلب الحزمة وضربه بالعروق على أنفه . وقال له رجل يوما بحضوري : أنت لا تزال في عشقة بعد عشقة ، فابتدرت منشدا قول القائل : [ البسيط ]
الحب أولى بي في تصرّفه * من أن يغادرني يوما بلا شجن
فصاح صيحة عظيمة ، ثم قال : أحسنت . اطّلعت على قلبي ، وقلت بلساني ، ثمّ خرّ مغشيّا عليه . وأتى يوما ديوان الإنشاء ، ونحن به ، وشيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود جالس ، ونحن عنده ، فلمّا رأى ما به من البلاء ، وخروجه حيّز العقلاء أنشده : [ الطويل ]
يقولون لو دبّرت بالعقل حبّها * ولا خير في حبّ يدبّر بالعقل
فصاح صيحة شديدة ، وقال : يا مولانا حبّه جنّة ، ولم يزل يقولها إلى أن غاب عن صوابه ، وسقط إلى الأرض مغشيا عليه ، وبقي عامة نهاره ملقى على تلك الحال ، ثم زاد به