وما منهما إلا من هو عليه مرتبط ، وبه مغتبط ، يذيع إليه سرّه في صاحبه ، ويتبسّط لديه في معاتبه . وهو ساكت لا ينطق بحرف ، ولا يشارك حتى ولا بإيماء طرف ، وعرف بهذا واشتهر حتى صار عندهما موضع الثقة ، ومكان المقة « 1 » . ومحل الصداقة المحققة ، ثم كان يسعى في صلاح ذات بينهما فيعجز ، ويعده كل منهما به ولا ينجز ، فأغمد لسانه ، وترك كلّ امرئ منهما وشأنه ، وكان ممن ينفع الطلبة ، ويستلذ في راحتهم تعبه ، ويحرص على إسماعهم ، ويقيّد مجالس سماعهم ، لا يشغله عنهم ما كان معدّا له من حضور مجالس الحكام ، والتسجيل عنهم بالأحكام ، وحضور الوظائف ، ومجالسة أكثر الطوايف ، ثم بلغني أنه توجه إلى الحج فمات بخليص « 2 » وقد استقبل مكة ميمما ، وكفّن في ثياب إحرامه ليبعث يوم القيامة ملبيا محرما « 3 » .
ولد في عاشر جمادى الأولى سنة خمس وستين وستمائة ، واعتنى بالرواية من صغره ، فقرأ بنفسه الكتب الكبار ، ورحل إلى الديار المصرية ، والثغر « 4 » والبلاد الشمالية ، وسمع مما ينيف على ألفي شيخ ، وأجاز له ألف آخر ، فاشتمل معجمه على نيف وثلاثة آلاف شيخ ، وكتب من الأثبات « 5 »
هامش
- إليه رياسة المذهب تدريسا وإفتاء ومناظرة وساد أقرانه بذهنه الوقاد . توفي سنة 727 ه ، في بلبيس . انظر ترجمته في الدرر الكامنة 4 / 74 ، وفوات الوفيات 4 / 7 . والأعلام 7 / 175 .
( 1 ) المقة : المحبة . انظر لسان العرب ، مادة ومق ، 10 / 385 .
( 2 ) خليص : موضع بين مكة والمدينة ، فيه آبار ونخيل وقرى في واد متسع يبعد عن مكة المكرمة قرابة مائة كيلومتر .
( 3 ) محرما : إشارة إلى الحديث عن الذي وقصت به ناقته يوم حجة الوداع : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه . فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا . انظر الحديث عند البخاري في كتاب الجنائز 2 / 76 . وعند مسلم في الحج 4 / 24 .
( 4 ) الثغور : البلاد المتاخمة لبلاد الأعداء ، والموضع يخاف هجوم العدو منه . المعجم الوسيط 1 / 97 .
( 5 ) الأثبات : جمع ثبت وهو ما يجمع فيه الراوي مروياته وأسماء شيوخه كالفهرس .