فنزل وقبض على الرجل ، وقال : أجب الأمير .
فقال : سألتك باللّه أن تطلقني .
فقال : ما إلى هذا سبيل ، فإنه يراك وهو الذي أرسلني وأمرني بالقبض عليك .
فلما وصل به قال : ما كتب هذا على « 1 » حائطنا ؟
قال : كتبت ما لا أقدر أن أقوله .
فقال : قل ولا بأس عليك .
فقال : كتبت :
يا قصر فيك الشؤم واللؤم * / متى تعيش في أركانك البوم
يوم يعشش فيك يوم فرحي * أكون أول من ينعاك مرغوم
فقال : ويحك ما حملك على ما كتبت ؟
فقال : يا أمير [ المؤمنين ] ، لم يخف عن علمك ما حواه قصرك من المال والخير والنعمة إلى غير ذلك ، وقد مررت به وأنا جائع ، فوقفت بإزائه ، وفكرت في نفسي وقلت : إذا كنت أنا جائع وهذا القصر عامر فلا فائدة لي في عمارته فلو كان خراب لما عدمت أن ألقى به رخامة أو مسمار أو غير ذلك فأبيعه وأسدّ به مجاعتي ، أو ما سمعت يا أمير [ المؤمنين ] مقال من قال هذه الأبيات :
إذا لم يكن للمرء في دولة امرء * نصيب ولاحظ دعا بزوالها
وما ذاك عن بغض ولا عن محبة * ولكن ير نفعه بانتقالها
فقال المأمون : لئن أسأت في الذنب ، لقد أحسنت في العذر .
ثم رسم له ألف دينار وقال : هي لك علينا في كل عام ما دام قصرنا عامر بنا .
فصار كل عام يقبض ذلك القدر منذ حياة المأمون فكان كثيرا ما يقول : لو يعلم الناس محبتي في العفو ما تقربوا إليّ إلا بالذنوب .
ومما ورد أيضا :
أن الأمير عبد اللّه المأمون وقف له أعرابي ، فقال : أطال اللّه بقاء أمير المؤمنين ، أنا رجل من العرب .
هامش
( 1 ) في المخطوط : على هذا وفي ذلك تقديم وتأخير وقد وضع الناسخ فوق الكلمة الأولى حرف :
( م ) ، وعلى الثانية حرف ( خ ) يريد ما ذكرته فضبط النص على المراد ، واللّه الموفق والهادي للصواب بإذنه .