ذكر « 1 » دار العدل
سبب بنائها أولا أن نور الدين لما طال مقامه بدمشق وأقام بها أمراؤه وفيهم أسد الدين شيركوه أكبر أمرائه . وكان الأمراء قد اقتنوا الأملاك وتعدى كل منهم على مجاوره « 2 » في قرية أو غيرها فكثرت الشكاوى إلى القاضي كمال الدين فأنصف بعضهم من بعض ولم يقد - على الإنصاف من شيركوه فأنهى الحال إلى نور الدين فأمر ببناء دار العدل . فلما سمع شيركوه ذلك أحضر نوابه وقال : اعلموا أن نور الدين ما بنى هذه الدار الا بسببي وحدي إلا فمن هو الذي يمتنع على القاضي كمال الدين واللّه لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه . فامضوا إلى من كان بينكم وبينه منازعة فأعطوه ، وأرضوه بأي شيء ممكن ، ولو أتى ذلك على بيع ما بيدي . فقالوا إن الناس إذا علموا ذلك ألحوا في الطلب .
فقال لهم : خروج أملاكي عن يدي أسهل عليّ من أن يظن نور الدين أني ظالم أو يساوى بيني وبين آحاد العالم في الحكومة . فخرجوا من عنده وفعلوا ما أمرهم به ، وأرضوا خصماهم ، وأشهدوا عليهم . فلما فرغت دار العدل جلس نور الدين فيها لفصل الخصومات والمحاكمات وكان يجلس في الأسبوع يومين وعنده القاضي والفقهاء وبقي ذلك مدة فلم يحضر إليه أحد يشتكي من أسد الدين . فقال : نور الدين للقاضي ما جاءنا أحد يشتكي من أسد الدين فعرفه القاضي الحال فسجد نور الدين شكرا للّه تعالى . وقال ( 107 ظ ) ف الحمد للّه الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا . وكان إنما يعينه على ذلك صدقه . وحسن نيته . انتهى .
هامش
( 1 ) - م * : ( الكلام على دار العدل ) .
( 2 ) - في الأصل : « لحاوره »