تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
وقدس الجوهرية هي أيضا القدس المتغيرة دوما . فهي القدس التي زارها البرنس فريدريك إيتل سنة 1910 ، كما ورد وصف الزيارة في الكتاب الأول ( صفحة 52 ) . هذا الأمير الذي استقبله صاحب مقهى المستكلب بسكب القهوة على الأرض أمامه . والقدس التي زارها الموسيقي سلامة حجازي سنة 1908 للترفيه والاحتفال بمناسبة الانقلاب العثماني آنذاك ( الكتاب الأول ، صفحة 108 ) ، وهي قدس أمام بيوتها مرابط للحمير ( الكتاب الأول ، صفحة 14 ) . وهي أيضا قدس مجموعة التحف الجوهرية التي يعرفنا واصف عليها في الكتاب الثاني ، والتي لن نراها لأنها نهبت ككل أملاك العرب الذين شردوا من بيوتهم سنة 1948 . إنها القدس التي أصبحت في مصاف الفردوس المفقود ، والتي بقيت فيها المجموعة الجوهرية بما فيها من تحف ثمينة ، لكنها لم تبق فيها . فهي باقية فقط في ذاكرة القدس لدى واصف وليس في قدس الواقع ، وهذا الأمر أساسي لفهم الخسارة واللوعة الفلسطينية لما لم يعد موجودا ، لكنه أبدا موجود في ذاكرة المشردين . هل أدرك واصف هذه الحقيقة ، أم أنه تصرف ككل مهاجر يحمل في قلبه صورة للوطن ؟ أمّا دفتر واصف جوهرية الذي سمّاه " السفينة الجوهرية " ، والذي يحوي تفصيلات حياة النوتات الموسيقية الشرقية السائدة في زمنه ، والتي دوّنها بأسلوبه الخاص كونه لم يعرف كتابة أو قراءة النوتة بأسلوبها المتبع بحسب منهاج المدرج الموسيقي العام ، فيشكل - بلا شك - مصدرا مهما لدراسة المرحلة عبر ثقافتها الموسيقية العليا . فالدفتر يسجل الألحان والمقامات وكلمات الأغاني والموشحات . هذا الدفتر يدل على جانب آخر لواصف جوهرية ، وهو جانب الاهتمام بالتدوين الثقافي الموسيقي . فواصف يرينا أن القدس الانتدابية ، وربما العثمانية المتأخرة ، قد شهدت نهضة موسيقية وتواصلا مع القاهرة والشام وحلب ، لا عبر زيارات مشاهير الفنانين فحسب ، بل أيضا عبر التداول والتبادل الموسيقي والشعري والثقافي . وبقدر ما يصعب حاليا تحديد أهمية مساهمة جوهرية في هذا السياق - كون دفاتر واصف الموسيقية لم يدرسها باحثون في تاريخ الموسيقى وعلومها - فإن فكرة التواصل أيضا تخلق لمؤرخ فلسطين التصور بأن القدس لم تكن مدينة انتدابية فلسطينية فقط ، بل أيضا مدينة شرق متوسطية مرتبطة بمدن أخرى عربية مشرقية ارتباطا عضويا يختلف كل الاختلاف عما نراه اليوم من أحوال القدس وانعزالها الكئيب عن محيطها العربي والمشرقي . وألبومات واصف جوهرية المصورة والتي أشرت إليها في مقدمتي للكتاب الأول ، تعطينا إجابة عن هذا السؤال . فقدس الجوهرية المصورة هي مكان اجتماعي وسياسي ، وهذا ما وثقه واصف عبر الصور . وهي ، بعكس أغلبية الكتب المصورة عن القدس ، ليست لمواقع دينية وإنما لبشر . فحتى معالم القدس الدينية لدى واصف مثلت عبر صور لرجال الدين بدل صور للمواقع الدينية خالية من الناس . فألبومات واصف جوهرية تضع الفلسطيني في فلسطين كفرد ، ومجتمع ، ومؤسسات ، وتاريخ . صوره لم تحتفل بالتاريخ المقدس ، وإنما بالناس وعاداتهم وقادتهم . وغياب صور ما بعد النكبة من ألبوماته قد يكون ذا دلالة أيضا في هذا السياق ذاته . إن واصف جوهرية عبر توثيقه للتاريخ المصور للقدس الآهلة ، إنما يحرر القدس من الاستعمار الذي سيطر عليها منذ بداية الصراع في القرن العشرين : إنه الاستعمار بالمخيلة . استعمار حوّل المدينة إلى حيازة وحق مستأثر لمن يدعي أنه أفضل من يمثلها كموقع ديني وتاريخي .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 653 | واصف جوهرية