بدل الختام : المذكرات ، الحكاية التاريخية والألبومات الفوتو غرافية عصام نصار
" تجارب البشر التي تتناقلها الألسن هي المصدر الرئيسي الذي يلهم رواة القصص كافة . إن أعظم الذين كتبوا مثل هذه الحكايات هم الذين لا تخالف رواياتهم المكتوبة ذاك الكم الهائل من الحكايات المنسوبة إلى رواة القصص . "
والتر بنيامين « 1 »
تشكل المذكرات في العادة ، بعرف المؤرخين ، مصدرا هامشيا للدراسة التاريخية يجدر الرجوع إليه فقط لملء فراغ ما في السرد التاريخي الموثق ، استنادا إلى مصادر أولية في الأرشيفات والمكتبات . لكن المذكرات والسير الذاتية - كما يشير عدد من المؤرخين - قد تضيف أبعادا إنسانية فيما يتعلق بالواقع المعاش ، بما فيه من مشاعر شخصية وآلام فردية أو جماعية . والمذكرات التي تأتي لتملأ الفراغ ( ولو بشكل جزئي ) الناجم عن غياب الجانب الشخصي فالوثيقة قادرة على أن تصبح مصدرا أساسيا لدراسة التاريخ في عدة حالات ترتبط بشحة المصادر الأخرى أو انحيازها التام .
إن فشل الكتابة التاريخية التقليدية في توثيق حياة القدس وتاريخها ، في المرحلتين العثمانية والبريطانية ، يضع المذكرات الشخصية في مصاف المصادر الأولية ، كونها تملأ فراغا كبيرا في الدراسة التاريخية ناجما في الأساس لا عن شحة المصادر الأولية ، وإنما عن ضيق أفق الدراسات التاريخية المستندة أساسا إلى طموحات ونيات قومية ، أو عرقية ، أو دينية . فأغلبية ما كتب عن القدس في المرحلة الحديثة ، إمّا تنطلق من الكتب الدينية ، وإمّا من البحث الأثري الذي يعنى لا بعموم الماضي المقدسي ، وإنما بشظايا منه ترتبط برؤية ومشروع قوميين . إن جلّ الدراسات التاريخية عن القدس هو إمّا دراسات عن الأوضاع الإدارية والتنظيمية للمدينة ، وإمّا عن أهميتها الدينية لهذه الجماعة أو تلك ، وإمّا هي دراسات تنطلق أساسا من فرضيات ترتبط بقدسية المكان . وهذه الدراسات - بدورها - همشت القدس كمدينة حية يعيش فيها أناس يشكلون مجتمعا وأحياء واقتصادا وروابط اجتماعية .
مذكرات واصف جوهرية ، بما هي مذكرات عن أناس ومؤسسات وعائلات ومجتمع ، هي أقرب إلى وثيقة تبعث الحياة في ذلك الجسد الميت الذي هو القدس بعرف المؤرخين الذين لا يرون فيها سوى البعد الديني ، عبر وضع البشر وأحاسيسهم ومواقفهم وعاداتهم ورؤاهم في مركز الحدث . كتابة الجوهرية وألبوماته المصورة ودفتر تدوين الموسيقى الخاص به هي وثائق مهمة تعكس زمنا بروحه ، كما تدل على روح دعابة والتزام سياسي ودقة في التدوين هي أقرب إلى حكايات الناس التي تتناقلها الألسن بحسب تعبير بنيامين المشار إليه أعلاه . فقراءة قصص الجوهرية المشوقة الواردة في هذه المذكرات تعطي الانطباع بأن واصف جوهرية لم يكن كاتبا أو روائيا ، كما لم يكن مؤرخا أو مدونا ، وإنما كان راوي قصص ، أو ما يعرف بالعامية بالحكواتي . والحكواتي ، كما علق والتر بنيامين قبل أكثر من نصف قرن ، " لا يشكل سلطة حاضرة أمامنا " ، بل إن وجوده يبتعد عنا بالتدريج ويزداد ابتعادا كلما أكثر من الكلام ، حتى إنه يكاد يختفي من الوجود .
قصص وحكايات الجوهرية ، من بداية حكايته منذ العقد الأول من القرن العشرين حتى نهاية السرد ، تجعله يختفي من أمامنا " كموضوع للحكاية " ، بينما تبدأ " حداويته " بفرض ذاتها علينا ، مشكلة في النهاية الوجود الوحيد أمامنا . يحدثنا واصف عن حياته وعن عائلته في القدس مصورا المشهد العام أمامنا بتفصيلات دقيقة
هامش
( 1 )Walter Benjamin , " The Storyteller " in Illuminations : Essays and Reflections , edited by Hannah Arendt ( New York : Schocken , 1968 ) , p . 84 .