تحول العائلة وأفرادها وأصدقاءها والجيران إلى موضوع منظور . فكم من حياة عائلية يرى الفرد منا في حياته ، وغالبا ما لا يلاحظ التفصيلات ؟
تصبح العائلة الجوهرية الممتدة وأفراد من العائلة الحسينية ، والأصدقاء ، والأعياد ، ودخول أللنبي ، والحياة في مكتب تسجيل الأملاك ، والحروب ، والثورات ، القصة بذاتها ، ويصبح الزمان والمكان أكثر حقيقية ، وندرك أن ما لدينا ليس بمذكرات فقط ، بل إنه " حدوتة " القدس ذاتها . موضوع الكتابين في النهاية هو القدس لا واصف وحياته ، بل إن جل ما لدينا عن واصف هو أنه راو جيد وشائق ينسينا أنه هو الذي يقول الحكاية ، ويدخلنا في الحكاية لنصبح مشاركين أو على أقل تقدير مشاهدين وشهود عيان . فالقارئ الحديث الذي لا يعي أيام الحكم العثماني أو البريطاني ، لكن قد يعرف القدس كما هي الآن - ككاتب هذه السطور - أو كما هي متخيلة دوما ، كونها أيضا مدينة ثابتة لأنها أرض مقدسة لا تتغير ، يجد نفسه مأخوذا بما كتبه واصف . فواصف ينقل قارئه إلى قدسه ويأسره في زمن ليس زمانه كقارئ ، محولا زمن القدس إلى زمن القارئ أيضا . فأنا كقارئ شعرت بروائح القدس وأطعمتها وأزقتها التي بدت محسوسة أمامي كما لو أني كنت فيها آنذاك في زمن واصف جوهرية ، وزمن سليم وحسين الحسيني ، وخليل السكاكيني ، وبقية الشخصيات الوارد ذكرها في الكتاب . لا بل أسوأ ما في الموضوع ، أنني - كقارئ معاصر - رأيت في قدس الجوهرية عصرا ذهبيا تبدو فيه المدينة أفضل ألف مرة من حقيقة زمننا وحقيقة القدس في أيامنا هذه . لم يسبق لي ، أنا من لم يعش في قدس الجوهرية ، أن تخيلت القدس مدينة مفتوحة متعايشة ممتزجة اللغات والجنسيات والمذاهب السياسية ، ولا حتى عند التفكير في كل الحلول السياسية المثلى التي فكرت فيها أو تبنيتها . واصف جوهرية أخذني كقارئ إلى تلك المدينة التي لا أعرفها حتى وإن عرفت أزقتها ، وجعلني أعرف أن تعايش التنوع والمتناقضات ليس بشعار سياسي مثالي ، بل إنه كان في الواقع جزءا من حياة وزمن المدينة التي تسمى القدس .
حياة القدس عند الجوهرية بقيت في الأساس حياة الناس الذين لم يتغيروا ، لأن القائد العسكري العثماني علي روشن بك أصبح الجنرال ستورز البريطاني . فهو الآخر سيرحل مثلما رحل جمال باشا ، وهربرت صامويل ، وغيرهما ، فهم لم يشكلوا ذات يوم أكثر من سيّاح ربما أطالوا الزيارة . وككل السيّاح جهلوا حياة المدينة وإن عرفوا كل الأماكن الوارد ذكرها في دليل بدكر أو كوك السياحي . وعلى الرغم من أن واصف أيضا رحل - أو رحّل - عن القدس ، فإنها بقيت كما عرفها وأكثر قليلا في حكايته التي سردها لنا مضيفا تفصيلات ولقطات أو قفشات تجعل من القدس مكانا أكثر إثارة ربما مما بدت لآخرين كانوا هناك ، وربما كتبوا أيضا ما شاهدوه . وهكذا يصبح واصف وعالمه ومدينته القصة ، وتصبح المذكرات مذكرات القدس أكثر مما هي مذكرات شخصية .
والقدس الجوهرية كأحواش القدس ذات أبواب صغيرة تطل على الشارع لتعطيك الانطباع بأنها أبواب بيت صغير لا أبواب لما يشكل حيا قائما بذاته ذا حياة خاصة به . سرد الجوهرية بدأنا من داخل " الحوش " من بيت واحد صغير لينقلنا إلى حارة السعدية ، ومنها إلى القدس القديمة ، ومن ثم الجديدة ( البلدية ، والبيت ، وحي النيكوفورية ، ومقهى الجوهرية في شارع يافا ) وقضائها بكل ما فيه من قرى وبلدات ، لتصبح بعد ذلك بعضا من فصول حكاية فلسطين بأكملها . زمن الجوهرية هو زمننا وزمن أحلامنا . أمضى واصف آخر زمنه في بيروت وتوفي فيها ككثيرين غيره من أبناء فلسطين الذين حمل كل منهم مدينته وبلدته معه ، وبقي فيها متصورا أنه يستكمل حياته السابقة ، أو أنه في إجازة سيعود بعدها على الرغم من أنه في بيروت . كثيرون لم يكتبوا حكاياتهم ، لكن واصف كتب . كتب وهو على فراش الموت في بيروت وكأنه في القدس من دون أن يشعرك حتى أنه في بيروت . الحكواتي واصف لم يختف فقط مثلما اختفى غيره من الحكواتيين وراء قصصهم ، بل حتى مكان وجوده اختفى معه .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 652
مساهمون: واصف جوهرية
ص٦٥٢