احتلال بريطانيا القدس صباح الأحد الواقع 9 كانون الأول سنة 1917
طلع فجر نهار الأحد الواقع 9 كانون الأول سنة 1917 ، إذ والقدس أصبحت بين عشية وضحاها في يد الإنكليز وحلفائهم ، وفي هذه الساعة السعيدة قضي على الحكم العثماني وعلى الظلم والاستبداد ، خصوصا في مدة الأربع سنين الأخيرة بين سنة 1914 - 1917 ، بدأنا نتنفس الصعداء ، فشكرنا الباري عز وجل على هذه النعمة ، ولكن لم نكن ندري ، آنذاك ، أن هذا الاحتلال اللعين كان نقمة وليس نعمة على وطننا العزيز ، فقلنا عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم .
وعلى كلّ ، أقول إنني أذكر أن ذلك اليوم كان من أسعد وأبهى الأيام عند الشعب ، فكنت ترى الناس يرقصون فرحا على قارعة الطريق مهنئين بعضهم بعضا بهذا العيد السعيد ، والشيء الذي كان يجلب انتباهي أن كثيرين من الشبان من العرب - مسلمين ومسيحيين - الذين كان معظمهم تحت خدمة الجندية في القدس في عهدها التركي ، قد غيروا ملابسهم الجندية إلى ملابس مدنية بصورة مضحكة ، خوفا من أن يلقي الجيش البريطاني المحتل القبض عليهم ، واعتبارهم أسرى وهم في ألبسة الجيش ، فكنت ترى مثلا رجلا يلبس البنطلون العسكري وفي رجله قبقاب . . . ويرتدي الجاكيت الذي كان يستعمل فوق القنباز ، وعلى رأسه الطربوش الذي أكل الدهر عليه وشرب . . . وغيره يلبس القنباز وعلى رأسه الكالبك لعدم وجود طربوش عنده . . . وهكذا .
وكنت ترى فئة من الناس يقطعون خطوط التلفونات التركية من على الشوارع ويأخذونها إلى بيوتهم ، وهناك من غزا على بغل أو حمار أو كارة يسوقها بلهف متزايد يبيعها وهي من مخلفات الحكومة السابقة .
والجدير بالذكر أن الجيش البريطاني توزع بسرعة في المدينة ، وفي الشوارع ، وبدأ المختصون بالنافعة والأشغال منهم يحتلون الدوائر التركية ؛ مثل دائرة البريد وغيرها ، وبدأوا ينصبون الخطوط التلفونية بدلا من الخطوط القديمة ، وذلك على سياراتهم التي شاهدناها لأول مرة أوتوموبيلات معروفة بال
" Box Car "
، وهي سريعة وصغيرة الحجم ، وكنا نتعجب من هذه المناظر التي كانت مفقودة عندنا بالأمس القريب . أما أنا ، فاللّه يشهد عليّ ، كنت أرقص في الشوارع مع أصدقائي ، ونشرب نخب بريطانيا والاحتلال ، وقد أصابتني رعشة وبعدها حمى اضطررت أن ألازم الفراش منذ عصيرة ذلك اليوم لمدة ثلاثة أيام من شدة الفرح ونشوة النصر ، ومن كثرة ما شربنا من الخمر بمناسبة الاحتلال .
في صباح ذلك اليوم الباكر ، ذهبت وأخي خليل وبعض الأصدقاء إلى حي الشيخ بدر ، « 1 » في الموقع نفسه الذي جرى فيه تسليم المدينة من قبل السيد حسين أفندي الحسيني رئيس بلدية القدس . وهناك في محلة روميما ، قد لفت أنظارنا تعلق اليهود ، وبخاصة في تلك الأحياء ، بالجيش البريطاني ، فكنت ترى الجيش وهو في طريقه إلى المدينة محاطا بآنسات اليهود . . . من جهتي الطريق . . . يرافقنه ويونسنه ويتكلمن معه بالإنكليزية بوجه باش ، ويستقبلنه بحرارة زائدة إلى أن يتفرق في أطراف المدينة .
هامش
( 1 ) الشيخ بدر : حي في غربي القدس بالقرب من قرية لفتا .