أخي توفيق فنان في جميع ضروب الفن ، وأخصها الرسم والعزف على الناي ، وإني أقولها صراحة إنه ولأول مرة في حياته اشتغل براتب شهري ، وهو عازف الناي في الإذاعة فأبدع وأجاد ، وكان عمله حبا للموسيقى ، ووجود زملاء له من رؤساء ومرؤوسين يقدرونه ويحبونه ، وإلا لما كان يتحمل الحكم مطلقا . . . وليس له جلد على الوظيفة .
وإني أقول بأن الأخ كاظم السباسي حقا عنده صوت رخيم وحنون ، ويمكنه إتقان اللحن ، ولكنه طائش في حياته ، فإذا ما غنى يتبين للمستمع إليه بأنه نسي بعض الكلام من المقطوعة التي هو ينشدها ، وليس له جلد على صرف مجهوده بحفظها كما يجب بالنسبة إلى طيشه . . . سامحه اللّه . إني أقول ذلك احتراما للفن ليس إلا ، فقد كتبت سابقا أن كاظم هو من عائلة فنية ؛ فعمه محمد أفندي السباسي الذي سطع اسمه واشتهر في الغناء بالقدس عشرات السنين كهاو قدير ، وكذلك يرجع فنه إلى المرحوم والده موسى السباسي ، وكنت أعرفه في آخر حياته ، فكان ضابط الإيقاع ومعروفا بموسى الآلاتي وصديقا للمرحوم والدي .
كان وجود دار الإذاعة الفلسطينية بالقدس نعمة جزيلة ، فقد أصبحت القدس محجة للفنانين من الأقطار العربية وبواسطة الإذاعة تعرفت على :
السيدة آمال حسين وزوجها المؤلف ، وكانا يزوران المجموعة الجوهرية ونتبادل معهما الفن . وكان المرحوم جميل عويس لن ينقطع عن زيارتنا ، وخصوصا يوسف بتروني الذي له فضل كبير في تعليم ابنتي يسرى النوتة والعزف على البيانو ، وتشجيعها على عزف المقطوعات العربية التي تعزف عادة على البيانو والخالية من الربع . كما أني أذكر فاضل الشوا شفيق أمير الكمان سامي الشوا وغيرهم من كانوا بحكم الفن يأتون إلى الإذاعة ، وهكذا لا يمكن لأحد من هؤلاء إلا ويزور المجموعة الجوهرية التي أصبحت بكلمة مختصرة شعبة خاصة للإذاعة ، فكم وكم من الليالي وحتى أوقات النهار كان بيتنا يضم الفنانين جميعهم من الموظفين في الإذاعة وزائريها الغرباء . وإني سأكتب عن أشخاص عديدين الذين تعرفت عليهم بواسطة الإذاعة في فصول لاحقه بإذن اللّه .
قبل فتوح دار الإذاعة بالقدس ، كانت فكرة تدور بأن أكون أنا بصفتي خبيرا بالموسيقى العربية ومن أبناء القدس رئيسا للقسم الفني فيها ، وقد طلب بالفعل مني ذلك بواسطة حاكم القدس المستر كيث روتش قبل تركه القدس في سهرة خاصة كانت في بيت السيد إحسان هاشم ، شريطة أن تنقل الوظيفة الحكومية من دائرة الحاكم إلى الإذاعة ، ولكن لأسباب خاصة رفضت وفضلت البقاء في الإدارة وعدم الدخول في الفن كمحترف ، بل صممت بأن أتخذ الفن دينا لوجه الفن ليس إلا ، وكما اعتدت على هذه الطريقة منذ تنشئتي .
ولم أتراجع حتى أن اسمي كتب علنا رسميا في الجريدة الرسمية لكي أكون من الفنانين في أول يوم افتتاح الإذاعة ، ولكني اعتذرت ولم أقبل مطلقا وللّه في خلقه شؤون . لم أندم على رفضي منصب الإذاعة ، وإني أدون هذا الحادث للقارئ الكريم أثبت فيه أن الفنان الحقيقي عند تسخير فنه خصوصا في الشرق للعيش خسر قيمته الفنية ، وهذا بنظري أصبح كصنعة وليس فنا صحيحا . . . فقد جاءني مرة الأخ كاظم السباسي وبيده مضبطة على بعض التواقيع من شخصيات معروفه
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 543
مساهمون: واصف جوهرية
ص٥٤٣