تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
فمن وقف على هذا الكلام ، أوقع عنده التطلع للعلم بما عدد من الأنواع . ومراده بذلك أنه قد اطلع على ما ذكر وأحاط به علما ، وأنه قد ترقى عن ذلك إلى جعل القضايا المذكورة قضية واحدة ، وأنها غير تلك الموجودات ، وكلها فيها مندرجة ، وهي به محيطة ، فهي الكل عند من في إدراكه قوة ، وأنها أسماء اختلفت لمسميات متحدة . وقد اشتهرت مقالته تلك بين أتباعه ، وتفرقوا في بلدان شتى ، يبثون هذه المقالة ، وتابعهم عليها جمع شاركوهم في أفعالهم الظاهرة ، وما أطلعوهم على عقائدهم الباطنة ، وعمت المفسدة ، بهم في الأقاليم ، بما ألقوه في العقول من هذا المعتقد . ولابن سبعين في كتاب الإحاطة [ من البسيط ] :
من كان يبصر شأن اللّه في الصور * فإنه شاخص في أنقص الصور بل شأنه كونه بل كونه كنهه * فإنه جملة من بعضها وطري إيه فأبصرنى إيه فأبصره * فلم قلت إن النفع في الضرر
قال أبو حيان : انتهى كلام الشيخ قطب الدين القسطلاني . ثم قال أبو حيان : وما زال ابن سبعين مشردا في البلاد ، ينفى من بلد إلى بلد ، وأصحابه مذمومون مبغوضون . ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبرهم : وهؤلاء كلهم جهال أتباع جاهل . حكى عن شيخهم ابن سبعين ، مقالات تدل على كفره ، منها لقد زرب بن آمنة على نفسه ، قال : لا نبي بعدى . وما زال تلفظه البلاد ، حتى استقر بمكة عند واليها أبى نمى ، وتقدم عنده ، وكان قد جرح جرحا شديدا ، فعالجه ابن سبعين حتى برئ . وقد سمعت قاضى القضاة تقى الدين بن دقيق العيد يقول : رأيت ابن سبعين بمكة ، وهو يتكلم للناس بكلام ألفاظه معقولة المعنى ، وحين تركبها لا تفهم لها معنى ، ونحوا من هذا سمعت قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة يقول - وقد حضر مجلسه - : ولا شك أن الذي ظهر به ابن سبعين ، هو مسروق من عقيدة ابن المرأة ، وابن أحلى وأتباعه ، إذ كانوا كلهم اشتغلوا بمرسية . ولنذكر شيئا من حال هذين الرجلين ، ليفهم منه انحلالهم وانحلال ابن سبعين من الشريعة .