تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
الكتاب مختتما بهذا القانت الأواب ، وقال : فضيل مكة وفاضلها ، وعالم الأباطح وعاملها ، وقال : كان إماما يسترشد بعلومه ويقتدى ، وعلما يستضاء بنوره ويهتدى . ولد قبل السبعمائة ، وبلغ الاحتلام سنة إحدى عشرة ، وكان في ذلك السن ملازما لبيته ، تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللعب . ولما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة بعث به إلى عدن ، فقرأ بها القرآن ، واشتغل بالعلم ، وحج الفرض سنة اثنتي عشرة ، وعاد إلى بلاده ، وحبب إليه الخلوة والانقطاع ، والسياحة في الجبال ، وصحب شيخه الشيخ عليّا المعروف بالطواشى ، وهو الذي سلكه الطريق ، ثم عاد إلى مكة سنة ثمان عشرة ، وجاور بها وتزوج ، وأقام بها مدة ملازما للعلم ، ثم ترك التزويج وتجرد نحو عشر سنين ، وتردد في تلك المدة بين الحرمين ، ورحل إلى الشام سنة أربع وثلاثين ، وزار القدس والخليل ، وأقام بالخليل نحو مائة يوم ، ثم قصد الديار المصرية في تلك السنة مخفيا أمره ، فزار الإمام الشافعي وغيره من المشاهد ، وكان أكثر إقامته في القرافة ، في مشهد ذي النون المصري ، ثم حضر عند الشيخ حسين الجاكى في مجلس وعظه وعند الشيخ عبد اللّه المنوفى بالصالحية ، وعند الجويراوى بسعيد السعداء ، وكان إذ ذاك شيخها ، وزار الشيخ محمد المرشدى بمنية ابن مرشد من الوجه البحري ، وبشره بأمور ، ثم قصد الوجه القبلي ، فسافر إلى الصعيد الأعلى ، وعاد إلى الحجاز ، وجاور بالمدينة مدة ، ثم سافر إلى مكة ، وتزوج وأولد عدة أولاد ، ثم سافر إلى اليمن سنة ثمان وثلاثين ، لزيارة شيخه الشيخ على الطواشى ، ومع هذه الأسفار ، لم تفته حجة في هذه السنين ، ثم عاد إلى مكة ، وأنشد لسان الحال « 1 » :
فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر
وعكف على التصنيف والإقراء والإسماع ، وصنف تصانيف كثيرة في أنواع من العلوم ، وكان كثير الإيثار والصدقة مع الاحتياج ، متواضعا مع الفقراء ، مترفعا على أبناء الدنيا ، معرضا عما في أيديهم . وكان نحيفا ربعة من الرجال . وذكر أنه توفى ليلة الأحد المسفر صباحها عن العشرين من جمادى الآخرة ، سنة ثمان وستين وسبعمائة بمكة ، ودفن بالمعلاة جوار الفضيل بن عياض ، وبيعت حوائجه الحقيرة بأغلى الأثمان ، بيع له مئزر عتيق بثلاثمائة درهم ، وطاقية بمائة ، وقس على ذلك . انتهى . ومن شعره « 2 » [ من الطويل ] :
ألا أيها المغرور جهلا بعزلتى * عن الناس ظنا أن ذاك صلاح
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في : ( طبقات الشافعية 2 / 331 ) . ( 2 ) انظر ترجمته في : ( طبقات الشافعية 2 / 332 ) .