تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
اختلف في ذلك قول مالك . فروى عنه : أنه كره بيعها وكراء دورها ، فإن بيعت أو أكريت : لم يفسخ . وروى عنه منع ذلك . وليس سبب الخلاف عند المالكية : الخلاف في مكة : هل فتحت عنوة ، أو صلحا ؟ لأنهم لم يختلفوا في أنها فتحت عنوة . وإنما سبب الخلاف عندهم في ذلك : الخلاف في مكة : هل منّ النبي صلى اللّه عليه وسلم بها على
هامش
- أخص به من غيره ، وهو البناء ، وأما الإجارة فإنما ترد على المنفعة ، وهي مشتركة ، وللسابق إليها حق التقدم دون المعاوضة ، فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة ، فإن أبيتم إلا النظير ، قيل : هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه ، ويصير مكاتبا عند مشتريه ، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة واللّه أعلم . على أنه لا يمنع البيع ، وإن كانت منافع أرضها ورباعها مشتركة بين المسلمين ، فإنها تكون عند المشترى كذلك مشتركة المنفعة ، إن احتاج سكن ، وإن استغنى أسكن كما كانت عند البائع ، فليس في بيعها إبطال اشتراك المسلمين في هذه المنفعة ، كما أنه ليس في بيع المكاتب إبطال ملكه لمنافعه التي ملكها بعقد المكاتبة ، ونظير هذا جواز بيع أرض الخراج التي وقفها عمر رضى اللّه عنه على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأمة قديما وحديثا ، فإنها تنتقل إلى المشترى خراجية ، كما كانت عند البائع ، وحق المقاتلة إنما هو في خراجها ، وهو لا يبطل بالبيع ، وقد اتفقت الأمة على أنها تورث ، فإن كان بطلان بيعها لكونها وقفا ، فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها ، وقد نص أحمد على جواز جعلها صداقا في النكاح ، فإذا جاز نقل الملك فيها بالصداق والميراث والهبة ، جاز البيع فيها قياسا وعملا ، وفقها . واللّه أعلم . فإذا كانت قد فتحت عنوة ، فهل يضرب الخراج على مزارعها كسائر أرض العنوة ، وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا ؟ . قيل : في هذه المسألة قولان لأصحاب العنوة . أحدهما : المنصوص المنصور الذي لا يجوز القول بغيره ، أنه لا خراج على مزارعها وإن فتحت عنوة ، فإنها أجل وأعظم من أن يضرب عليها الخراج ، لا سيما والخراج هو جزية الأرض ، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس ، وحرم الرب أجل قدرا وأكبر من أن تضرب عليه جزية ، ومكة بفتحها عادت إلى ما وضعها اللّه عليه من كونها حرما آمنا يشترك فيه أهل الإسلام ، إذ هو موضع مناسكهم ومتعبدهم وقبلة أهل الأرض . والثاني - وهو قول بعض أصحاب أحمد : أن على مزارعها الخراج ، كما هو على مزارع غيرها من أرض العنوة ، وهذا فاسد مخالف لنص أحمد رحمه اللّه ومذهبه ، ولفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه الراشدين من بعده رضى اللّه عنهم ، فلا التفات إليه ، واللّه أعلم . وقد بنى بعض الأصحاب تحريم بيع رباع مكة على كونها فتحت عنوة ، وهذا بناء غير صحيح ، فإن مساكن أرض العنوة تباع قولا واحدا ، فظهر بطلان هذا البناء واللّه أعلم . انظر : ( زاد المعاد 3 / 315 وما بعدها ) .
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 199 | محمد بن أحمد الفاسي المكي / محمد عبد القادر أحمد عطا