يتحادثان . ثم انصرف شاكرا وزار عدوّه القديم خسرو باشا وتصافيا . وفي 17 أغسطس من تلك السنة برح الآستانة قاصدا قواله مسقط رأسه فأقام فيها عدة أبنية لتعليم الفقراء وإعانة الضعفاء والمساكين ثم برحها إلى الإسكندرية فقوبل بالأنوار وسار منها إلى القاهرة فتقاطر اليه المهنئون من الأصدقاء أفواجا فكان يستقبلهم وعلى صدره الطغراء الشاهانية تلألأ كالشمس
وفي منتصف عام 1848 توعك مزاج محمد علي باشا وازدادت فيه ظواهر الخرف فلم يعد ثم بد من تولية إبراهيم باشا فتوجه هذا إلى الآستانة في أوغسطس من تلك السنة لأجل تثبيته على ولاية مصر خلفا لأبيه فثبته السلطان بنفسه فعاد لمعاطاة الاحكام . ثم راجعه العياء واشتد عليه بغتة ففارق هذا العالم في 10 نوفمبر عام 1848 م وبعد وفاته بإحدى عشر ساعة دفن في مدفن العائلة الخديوية بجوار الإمام الشافعي بالقاهرة وكان عباس باشا غائبا في مكة فاستقدم حالا لاستلام زمام الاحكام فوصل القاهرة في 24 دسمبر بعد ان قضى فروض الحج ولم يكن ثم اعتراض على توليته فجاء الفرمان الشاهاني من الآستانة مؤذنا بذلك فتولى الأمور
كل ذلك ومحمد علي باشا في الإسكندرية وقد أخذ منه المرض مأخذا عظيما وما زال يهزل جسدا وعقلا إلى 2 أغسطس عام 1849 م فتوفى ولم يستغرب الناس وفاته لأنه مكث في حالة النزاع مدة طويلة . وفي 3 منه تقاطر الناس من الأعيان والقناصل إلى سراي رأس التين في الإسكندرية لحضور مشهد ذلك الرجل العظيم . فإذا هو في قاعة الاستقبال في تابوت تغطيه شيلان الكشمير وعلى صدره سيفه والقرآن الكريم وعلى رأسه طربوشه الجهادي احمر تونسي وحوله العلماء في الملابس الرسمية يتلون القرآن بأنغام التجويد . وكان سعيد باشا أكبر من وجد في الإسكندرية من عائلة الفقيد فكانت توجه نحوه خطابات التعزية . ونقلت جثت الفقيد ودفنت في جامعه في القلعة ولا تزال هناك إلى الآن
ويقال إنه شرع بتعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة والأربعين من عمره .
وهذا مما يزيده شرفا وفخرا ويبرهن على ما فطر عليه من قوة الادراك والحذاقة والمقدرة على المهام السياسية . وكان صارم المعاملة مع لين ورقة وحسن أسلوب . وكان متمسكا بالاسلام مع احترام التعاليم الأخرى ولا سيما التعاليم المسيحية فكان يقرب أصحابها منه ويعهد إليهم أهم اعماله
ويقال إنه كان بالاجمال أبا حنونا لرعيته وصديقا مخلصا ونصيرا مسعفا لذوي
رحلة مصر والسودان — صفحة 196
مساهمون: محمد مهري كركوكي
ص١٩٦