ذلك الوقت يعيش في الدرجة الأولى على خدمات رجل يدعى سيد هندي ، كان في يوم من الأيام من أصحاب الزوارق ( بلام ) لكنه أصبح في الأيام الأخيرة من اللائذين المفيدين بالمقيمية البريطانية . إذ كان هذا الرجل يجلب يوما إلى سمو الباشا وجبة واحدة من الرز ويأخذ لقاءها قطعة من النقود عادة .
وهكذا كان سيد الثلاثين ألف جندي السابق يعتاش في أيام محنته وإهماله على يد رجل فقير من أصحاب الزوارق ، وأصبح الآن مدينا بحياته والقيام بأوده خلال العذاب والمرض لشخص متواضع من أصحاب الدكاكين .
على أن مكان اختفاء داود قد أصبح معروفا لدى صالح « 1 » بك ، الذي شاع في بغداد أنه كان يطمح بكرسي الوزارة نفسه ، فبعث أناسا يأتون بالباشا المعزول إلى حضرته ، غير أن صاحب البيت والنساء اقترحوا على الباشا ، وهم يتخوفون من عواقب تسليمه ، أن يفر هاربا من باب في الدار تطل على شارع آخر وعرضوا عليه مساعدتهم في هذا الشأن كذلك . لكن الحياة وقد طالت مرارتها عليه بتأثير المعاناة الشخصية والشعور بالخسارة الجسيمة وضرورة التخفي المستمر ، قد أصبحت في نظر داود المنحوس الطالع عديمة القيمة بحيث لا تستحق أي مقدار آخر من النضال والمقاومة . فرد المقترح بقوله :
« كلا ، إن المقاومة أو الهرب قد فات أوانهما ، وسأذهب إلى أي مكان أدعى إليه وإلى أي مصير يكون » . فأركب على حصان لأنه لم يكن يقوى على السير ، وأخذ إلى دار « 2 » صالح بك التي يشغلها الآن المقيم البريطاني وأقيم فيها أنا
هامش
( 1 ) إن الحاج صالح بك هو الابن الثالث لسليمان باشا الكبير ، أشهر ولاة المماليك في العراق . أما أخواه الآخران فيهما صادق بك وهو الأكبر ، وسعيد باشا . وقد ثار صادق بك في أواخر 1818 م على داود باشا بعد أن التجأ إلى عشيرة زبيد بقصد مناصرته ، لكن داود باشا صالحه وعفا عنه . بينما كان سعيد باشا واليا في بغداد قبل داود فأساء التصرف في الحكم . وثار عليه داود نفسه فاستولى على بغداد بمساعدة محمود باشا بابان في السليمانية وقتل سعيدا فتسلم الباشوية في مكانه . والمعروف أن داود كان قد تزوج بنتا من بنات سليمان باشا الكبير أخت الإخوة الثلاثة هؤلاء .
( 2 ) كانت هذه الدار في مكان مديرية كمرك بغداد الحالية . وقد جاء في ( عنوان المجد ) -