تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
السوابق وشلحونا ، وشفقة بنا أبقوا لنا القميص والقنباز وأخذوا جميع ما معنا وذهبوا ، ولكنهم لم يأخذوا الحمار والكديش . فاشتد علينا البرد ، وعصف الريح القوي ، فازرقت أجسادنا واحمرت عيوننا وغابت حواسنا وقصرت السنتنا وجمدت دماؤنا وزاغ بصرنا ، وخصوصا أنا أشرفت على الهلاك قبل الجميع . فرأى الشيخ إبراهيم حالي وأني عدمت كليا ، فابتدأ يبكي ويشير بيده للذين معنا ليعملوا لي طريقة كي لا أموت . وصرنا جميعنا نتباكى ، ولا يفهم أحد من الآخر ، ويئسنا من الحياة وقطعنا أملنا منها بالكلية . ثم وقعت على الأرض مثل قطعة من الخشب وغبت تماما عن الوجود . فصار الشيخ إبراهيم يلطم على رأسه ويبكي ويعيّط وكأنه مربوط اللسان فيقول فقط : أي ، أي ، أي . وكان معنا شاب من جملة الأربعة يقال له موسى بن وردة ، نصراني ، سرياني ، صاحب نخوة ومروءة زائدة ، فركض وسحب سكينا من على جنبه وأمسك بالكديش وأرماه على الأرض وشق بطنه من فوق إلى عند ذنبه وحملني بسرعة من الأرض ووضعني في بطن الكديش وأبقى رأسي خارجا ، وأنا لا أعي على شيء ولا أعلم 2 / 56 « 53 » ماذا فعلوا بي . فبعد نصف ساعة وعيت على حالي ودبت الروح / في جسدي ، فأخرجوني وحملوني على الحمار وسرنا ، وبعد ساعتين وصلنا إلى الضيعة ونحن على آخر نفس . فدخلنا إلى بيت واحد بيطار نصراني يقال له حنا بيطار ، من النصارى الروم ، حيث كان معنا كتاب توصية له من الخوري موسى . فحين رآني في تلك الحال ، طمرني في كومة زبل ، وعمل النيران حولي ، وابتدأ يسقيني نبيذا ، وكذلك عمل مع الشيخ إبراهيم حتى دفئنا وسكن روعنا . فأخرجنا وأحضر لنا طعاما وأكلنا ودخّنا « 54 » توتون ، وزال عنا كل مكروه ، ولكن يا له من يوم عظيم . ثم سافر رفقاؤنا في اليوم الثاني وتدينت من البيطار مئتي غرش وأعطيتهم أجرتهم مئة غرش ، وخمسين غرش بخشيشا إلى الثلاثة ، وخمسين غرشا بخشيشا أيضا إلى موسى ابن وردة لأنه هو الذي خلصني من الموت . فجلسنا في دير عطية أربعة أيام وتوجهنا إلى دمشق .
هامش
( 53 ) اعتبارا من هذه الصفحة يبتدئ الكراس الرابع من الكتاب كما فصله الصائغ ، إذ وضع رقم 4 في أعلى الصفحة . ( 54 ) « وشربنا » .