تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ثم نرجع إلى ما كنا بصدده : لم تزل العداوة والغارات على الحسنة ، قبيلة بيت ملحم ، حتى صارت كل العشائر خصومهم « 51 » . فقضينا كل الصيف معهم بكل عذاب وخوف ووجل ، من محل إلى محل ، حتى ابتدأت العربان تشرّق ودخل فصل الخريف . وأخيرا بقينا معهم ، وكنا بقرب حلب ونحن مرادنا التوجه نحو دمشق والدخول إلى حلب ، هذه رغبة الشيخ إبراهيم . وظللنا نترقب الفرصة لنجد من يسير بنا إلى دمشق فصعب الأمر لأننا لا نستطيع الذهاب وحدنا ، أما عرب مهنا فلا يسعهم أن يتطرفوا خوفا من سائر القبائل ، واقتضى الأمر أن العرب أخذونا إلى ضيعة يقال لها السّخنة ، شرقي حلب يومين ، تحوي على نحو مئة بيت من الجمالين ، يصنعون القلو للصابون يحملونه إلى حلب ويبيعونه أيضا . بها حمام ماء ساخنة طبيعية ، ولهذا السبب سميت السخنة . وأما أهلها فخيرون كرماء ، يحبون الضيوف . فكانوا يتقاتلون علينا حتى يضيفونا عندهم ، كل واحد بدوره ، لأن ما بها شيء للبيع مما يخص الأكل والشرب ، نساؤها حسنات جدا ، وجميع لوازمها من حلب . فجلسنا بها نحو عشرين يوما حتى توفر لنا أناس ، بكراء وافر ، أخذونا إلى تدمر ، فسلمنا على الشيخ رجب وحكينا له عما جرى لنا عند العربان ، واستقمنا عنده ستة عشر يوما ، حتى توفق لنا من أخذنا إلى القريتين ، فدخلنا وسلمنا على الشيخ سليم وعلى الخوري موسى الذي 1 / 26 كنا نازلين عنده وأبقينا رزقنا تحت يده . فسألنا الخوري / عن بضاعتنا وعن بيعنا ومكسبنا فقلنا له : بعنا واللّه الحمد وربحنا ما لا كنا نتأمل ، والحقيقة أننا فقدنا الرأسمال والمكسب ، وجميع ثمن الرزق الذي كان معنا راح بخاشيش وهدايا وكراء وبراطيل وديون للعرب ، وظللنا جالسين بالقرية ثلاثين يوما حتى توفق لنا أناس يأخذونا إلى ضيعة بعيدة عن القريتين ست عشرة ساعة ، يقال لها دير عطية ، على طريق دمشق « 52 » . ولكنهم لم يعطونا دواب وخافوا من العرب أن يشلحونا ويأخذوها منا في الطريق . فاضطر الشيخ إبراهيم أن يشتري له كديشا وركبت أنا على حمار ، وكان معنا أربعة أنفار ، بمئة غرش ، ليوصلنا إلى دير عطية . وفي ذلك الوقت كان دخل فصل الشتاء العظيم . وبالقرب من دمشق « 52 » يقع برد شديد لا يوصف . فخرجنا من القريتين وأبقينا رزقنا عند الخوري . وكان النهار باردا ، مع هواء وثلج ورياح شمالية قاسية جدا . فمررنا في طريق يقال له بين الجبلين . وإذ نفذ علينا خيول العرب نحو عشرين خيالا . ومن شدة البرد والخوف رمى الذين معنا بنادقهم من أياديهم ، فوصلت إلينا الخيل
هامش
( 51 ) « ضشمانهم » . ( 52 ) في الأصل : الشام .