على قبيلة يقال لها عبد اللّه « 37 » أميرها يسمى سطام الدّغيمي « 38 » . وكان المذكور في منزلة بقرب تدمر يقال لها أسدين ( أعني النهدين ) لأن بها تلتين ، الواحدة إلى جانب الأخرى ، بالحجم نفسه . وبعد ثلاثة أيام حضر ومعه نحو مائتي ناقة وغنم كسبها ، وأخبر أن موقعة عظيمة حصلت بين الطرفين ، وقتل من ربع ناصر ثلاثة أفراد ومن العبد اللّه نحو عشرة ، وأتوا بثلاثة أفراس عظام ، وأخذ لهم فرس واحد ، وهو فرس زامل ابن عم ناصر الذي ذكرناه سابقا .
فضجّ العربان جميعهم من هذه الغارة ، وتأكد لهم أن ناصرا يقصد خراب العرب ، ويريد الشر معهم ، لأنه أغار على عرب سطام من غير سبب ولا عداوة سالفة بينهم ، ولكن يرغب في كسر شيمتهم حتى يسود عليهم ، فاشتغلت الطروش ( أعني المراسلات ) بين العربان يخبرون بعضهم بعضا ، وانذروا الناس لكي يجتمعوا ويكونوا على حذر من الحسنة ، ووصلت مكاتباتهم إلى الدريعي وإلى عرب نجد وشمر ، ونمت العداوة بينهم ، وعزموا على الغارات على عرب الحسنة ، أتباع مهنا ، وشاع هذا الخبر في كامل ديرة عربستان ، ووصل إلى أمير يقال له دوخي بن سمير « 39 » ، ويقال لقبيلته ولد علي ، يقيم في ديرة حوران فوق دمشق . فهذا الأمير يأخذ صرّة « 40 » من وزير الشام لأجل الحج ، مثل مهنا تماما ، وبينه وبين بيت الملحم قرابة من جهة النساء ، وهم أحباء من زمن قديم ، فلما بلغته هذه الأمور اغتاظ 2 / 24 جدا وخاف على بيت الملحم ، ولم يتحمل ذلك ، فركب حالا ومعه نحو ثلاثين خيالا / وأتى عندنا خصوصا ، فلقيه الناس بكل احترام . ونزل من على ظهر جواده ، وهو مسود الوجه عابس . فأمر مهنا بالقهوة فقال له : يا مهنا قهوتك مشروبة ، فإني لم آت لأشرب القهوة بل لأقول لك أن بيتك وحمولة بيت ملحم سوف تتلاشى عن قريب ، من أفعال ولدك هذا ناصر باشا ، وذلك من نوع الاستهزاء . ثم قال : واعلموا أن كل العربان ضدكم ومرادها أن ترد النقا عليكم ، ( رد النقا معناه اشهار الحرب ) ، لأن في اصطلاح العرب متى قلت مردود عليك النقا « 41 » ، معناه خذ حذرك مني لأني أصبحت خصمك « 42 » وأعلنت الحرب
هامش
( 37 ) « عبد له » ؛ من عنزة ، « تلفظ لفظة الجلالة برقة زائدة » ( وصفي زكريا ، عشائر الشام ،II، 39 ) .
( 38 ) الدّغيم ، من السلقا ، من عنزة .
( 39 ) « دوخي ابن سمير » .
( 40 ) « صرّ » .
( 41 ) هذا الاصطلاح لم يزل معمولا به ، ( انظر : العزيزي ، قاموس ، ج 1 - ص 344 ) .
( 42 ) الصائغ يكتب : « أنا ضشمانك » .