تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة السرية للعقيد الروسي — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
وأمام الضابط المسلم الشاب الذي امتلك في نهاية التعليم ناصية اللغات العربية والتركية والفارسية والإنجليزية والفرنسية ، ناهيك عن لغته القومية واللغة الروسية ، انفتحت آفاق رائعة أمامه للترقي في الميدان العسكري والديبلوماسي الروسي . ولكن دولتشين ، بحكم طبعه ، لم يسع وراء الوظائف العالية . فإن هذا الضابط الهادئ ، المتوازن ، الرصين ، العملي ، وحتى المتحذلق نوعا ما ، الذي لا يتميز بالغرور راح بهدوء من بطرسبورغ إلى وظيفة غير كبيرة في أعماق آسيا الوسطى ، في ناحية قره قلعة ، غير البعيدة عن عشق آباد . وأثناء إقامته هناك سبع سنوات ، تفهّم جيدا القضايا التي تشغل بال الناس القاطنين في الأراضي الخاضعة لادارته ، وامتلك ناصية اللهجات المحلية ، ودرس اخلاق السكان المحليين وطبائعهم وعاداتهم وفولكلورهم . وبحكم عمله ، تقابل غير مرة مع رئيس مقاطعة ما وراء قزوين أ . ن . كوروباتكين الذي سرعان ما صار وزيرا للحربية . وقدّر كوروباتكين كفاءة النقيب المسلم . وهناك جملة من الوقائع توحي بأنه نشأت بينهما علاقات صداقة ؛ وعندما وردت مسألة ضرورة ترشيح ضابط في الجيش الروسي لأداء فريضة الحج وتفهم ما إذا كانت هذه الممارسة تشكل خطرا على مصالح روسيا العسكرية والسياسية في الشرق ، تذكره كوروباتكين . حالف الترشيح أقصى التوفيق . فبما أن دولتشين كان مسلما ، فقد اعتبر إمكانية إداء فريضة الحج كمنحة من القدر ، ومهمة المأمورية كفرصة لمساعدة الآلاف من اخوانه في الإيمان ، من المسلمين من رعايا روسيا ، مساعدة فعلية من إداء فريضة الحج ، الأمر الرئيسي على الأغلب في الحياة الروحية لكثيرين منهم ، وأدائها في ظروف وشروط لائقة بالبشر . ومع ذلك ظل من رعايا الإمبراطورية الأوفياء كليّا ، ظل مخلصا لقسم الضابط . وعن حق وصواب اعتبر تلبية الحقوق المشروعة لأبناء دينه في أداء فريضة الحج انعكاسا لعناية الدولة برعاياها ، الأمر الذي يوطد الدولة نفسها في آخر المطاف .