لما كان هذا الشيخ يدعي العلم ، ويزور غالبا تشيل - منار على حصانه ، للتمتع بهذه الآثار الرائعة الجمال ، كنت أتمنى ان يزودني بمعلومات حول آراء الكتاب العرب والفرس في هذا المجال ؛ غير أنه لم يقرأ اي كتاب يأتي على ذكر هذه الآثار باستثناء « كتاب مروج الذهب للمسعودي » . الذي يؤكد فيه الكاتب ، ان سليمان أدى صلاة الفجر في أورشليم ، وصلاة الظهر في بعلبك ، وصلاة العشاء في تدمر وصلاة المساء في تشيل - منار ، وأظن ان هذه المعلومات تفيد المسلمين أكثر من العلماء الأوروبيين .
قمت بجولة بين الانقاض برفقة الشيخ المذكور ، وقدته إلى النقوش الكوفية ، علّه يحسن قرأتها وينقلها إلى العربية . غير أنه لم يجد من داع للقيام بذلك . وبعد فترة وجيزة ، قام بزيارتي برفقة ابنه ، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره ، ووطدنا صداقتنا من جديد ، علما انه رفض التحدث عن تلك النقوش . واستقبلت أيضا بعض أعيان الفرس الذين علموا خلال رحلتهم من أصفهان إلى شيراز ، أن رجلا اوروبيا يقضي نهاره بين هذه الأنقاض ، فغيروا وجهة سيرهم ليشاهدوا هذه الظاهرة الفريدة من نوعها .
في 3 نيسان / أبريل ، نقلت متاعي من مردفت إلى بلدة تشول ، قرب نقشي رستم ، حتى أبقى على مقربة من تلك الآثار ، التي قد تشغلني عدة أيام . بعد مرور ساعات قليلة على وصولي إلى ذلك المكان ، ارسل السيد هيرفيل رسولا يعلمني انه في تشيل - منار ، فأسرعت في العودة إلى ذلك المكان ، في الليلة نفسها ، وأمضيت نهارين برفقة صديقي ، قرب تلك الانقاض ، حيث قضيت معظم الوقت بمقارنة رسوماتي باللوحات الأصلية ، بغية اتقانها أكثر . في الخامس من آذار / مارس ، رافقني السير هيرفيل إلى تشيل ، على ظهر حصانه .
في شيراز ، طردت الخادم المسلم ، الذي رافقني من بوشهر ، واستخدمت بدلا منه خادما أرمنيا ، غير أن هذا الأخير أصيب بالمرض في مردفت . كنا نتناول الدجاج والأرز والزبدة بكثرة ؛ فكل يوم يعدون لي طبق البيلاف ( الأرز المفلفل أو المبخّر ) ، وغيره من الأطعمة ، التي لا تتوفر إلا نادرا في القرى الفقيرة . غير أن خادمي اضطر للامتناع عن الطعام ، تبعا لتعليمات كنيسته ، أو بناء على إرشادات الهه ، ولما كان اتباع الكنيسة الشرقية يمتنعون في زمن الصوم عن تناول اللحمة ، والسمك والزبدة والحليب ، والبيض ، اضطر خادمي الأرمني للإمساك عن تناول الطعام ، وسط القرويين المسلمين ، الذين لا يحسنون تحضير الأطعمة التي تناسب صيام الأرمني . في الفترة الأولى من الصيام هزل جسده ، وتوعكت صحته في الفترة الثانية منه عند وصولنا إلى تشول ، ولهذا السبب تركته في البلدة ، عند ذهابي لملاقاة السيد هيرفيل . في ذلك النهار قررنا ترحيله إلى شيراز في السادس منه ، غير أنه توفي قبل انطلاقه . وسط هذه الأحداث ، سررت كثيرا بقدوم السيد
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 149
مساهمون: كارستن نيبور
ص١٤٩