نتفاجا ابدا ، ان لم يتبق من صروح هذه المدينة الأربعة ، سوى بعض الركائز ، والحجارة الكبيرة ، التي تعذر نقلها إلى مكان آخر .
نشاهد شمالي نهر بلور ( على مقربة من برسيبوليس أو إصطخر ) مدافن الملوك المزعومين .
والملفت للنظر ان طبيعة الصخرة الملساء ساهمت في جعلها واجهة لهذه المقابر دون بذل عناء كبير . غير أن هذه الأضرحة لا تضاهي تلك التي قرب القصر المذكور جمالا وروعة ، رغم انها كلها متشابهة من الخارج ؛ تتميز مداخلها بعلوها وارتفاعها عن الأرض ، إلى حد اننا لا نستطيع الوصول إليها دون الاستعانة بسلم ، ولكن لم تسنح لي الفرصة لاتخاذ هذه التدابير كلها . بيد انني علمت في السنة التالية ان السيد هيرفيل ، زار برسيبوليس ثانية ، وكتب لي تفصيليا عما عثر عليه داخل أحد الأضرحة . وجد غرفة طولها 40 قدما وعرضها 20 ، وفي جدارها الداخلي ثلاث كوات ، وضع في كل منها صندوق ارتفاعه 4 أقدام ، وطوله 9 ، وعرضه 8 ، مغطى بحجر كبير مسطح . ولما كننا نعتبر هذه الغرف مقابر ، خطر للسيد هيرفيل انه قد يعثر في داخلها على توابيت المومياء ؛ فأخذ معه مطرقة ومثقابا لفتح التوابيت ، غير أنه اكتشف ان تعبه ذهب سدى ، خاصة وان الرحالة السابقين ، ثقبوا الغطاء ، ليمرروا عبره أيديهم ، حاملين المصابيح ؛ وبعد ان حذا السيد هيرفيل حذوهم ، لم يجد في الداخل سوى التراب .
يمكننا بالتالي الاستنتاج ان هذه التوابيت لم تحو جثثا أبدا ؛ فمن خلال وصف السيد هيرفيل ، يتضح لنا أن ثقوب الغطاء صغيرة للغاية ، ولا يمكن اخراج الجثث عبرها ونقلها إلى مكان آخر ؛ كما وان عرض هذه الصناديق لا يتناسب مع طولها ، شأنها شأن التوابيت الحجرية التي نجدها في مصر ، وأرض الميعاد وناتولي ، واليونان ، ويبدو لنا جليا ان هذه الصناديق لم تصنع لتبقى فارغة ، بل كانت للاحتفاظ بالأشياء الثمينة فيها ، وخاصة تلك التي تنقل بسهولة . غير أن هذه الغرف المنحوتة في الصخر ، كانت مخصصة لدفن الجثث ، وخاصة جثث الملوك ، حفاظا على ذكراهم ، شأنهم شأن ملوك مصر ، الذين دفنوا في تلك الأهرام الضخمة . ورغم اننا لا نجد اليوم بقايا أجساد ميتة ، لا نستطيع القول ، ان هذه الصناديق لم تحو جثثا أبدا . فلعل هذه الغرف قد فتحت منذ زمن بعيد ، وسرق القرويون المقيمون في هذه المنطقة الجثث التي لم تهترىء بعد .
تكثر قرب هذه القبور الجميلة ، الرسومات الكبيرة المحفورة على الصخر ، والتي تمثل مآثر بطل بلاد فارس القديم ، المدعو رستم ؛ وهي تسمى نقشي ( أي صورة ) رستم « * » ، وأظن أن واجهات
هامش
( * ) يقول هيرودوت في كتابه الثالث ، ص 83 ، ان داريوس طلب صنع تمثال له ، وهم ممتط جواده . ولعل هذه الرسومات التي نشاهدها هنا وهنا ، في بلاد فارس ، والتي تعرف كلها باسم رستم ، تجسد ملوكا قدامي .