الذين يصنعون القماش المذكور آنفا ، وأنا أتأمل القصر ، فدعاني لشرب القهوة في منزله . فسألته عن يوسف الذي يحمل هذا البناء الجميل والينبوع المذكور اسمه آنفا ، فقال لي إنهما بنيا منذ 600 سنة ، على يد صلاح الدين . وهذا الأمر ليس خاليا من الصحة لأن الأمير المذكور بنى عدة أماكن عظيمة .
وكان يسمى يوسف والد المظفّر ، ابن أيوب . أما الأسماء الأخرى التي حملها ، مثل السلطان والملك والنصر ، وصلاح الدين ، فهي ألقاب شرف ، ونشاهد قرب قصر يوسف هذا حوالي الثلاثين عمودا من الغرانيت الأحمر ؛ ولكنها لا تضاهي عمود بومبي ، في الإسكندرية ، جمالا وعظمة . أما الطريق المؤدي إلى صف الأعمدة هذا فهو محفور في الصخر ؛ ونشاهد على سور أحد الأبنية صقرا منقوشا عليه ، زالت ملامحه مع مرور الزمن .
لم تعد القرافة مأهولة بالسكان ؛ لكننا نرى فيها جوامع جميلة مهدمة جزئيا ، وأضرحة ملوك مصر القدامى . وفي هذا المكان بالذات ، دفن الشافعي ، مؤسس أحد المذاهب الأربعة التابعة لأهل السنة .
وكانت النساء المسلمات تزرن هذا المكان ، خاصة نهار الجمعة ، إما للعبادة أو للتنزه . في الجهة الأخرى للقصر ، بين جبل المقطم والمدينة ، نشاهد عددا كبيرا من الجوامع المتداعية ، ودور عبادة مجاورة لقبور المسلمين الأثرياء ، والتي يبلغ طولها حوالي الميل « * » .
ونجد أنفسنا أمام خيارين : إما اعتبار قاعد بيه نبيا ، بين هؤلاء الأثرياء المدفونين أم إنه كان يدرك أن الآخرين لن يتلفوا جامعه ؛ لأن المعبد الذي شيده في هذا المكان هو في حالة جيدة وقد بنيت حوله عدة منازل وباتت تشكل قرية كبيرة . يرقد اليزبك الذي شيد جامعا كبيرا بالقاهرة ، في الشارع الذي يحمل اسمه في أحد جوامع قاعد بيه ، في الجهة الشمالية - الشرقية ، وضريحه محاط بعدد وافر من المنازل .
فيبدو جليا أن أسياد المسلمين في مصر ، أسرفوا في بناء المعابد ، شأنهم شأن سلاطين القسطنطينية ؛ ولعلهم بالغوا أكثر منهم . سمعت أنه يوم كان ملك البلاد يقيم في القاهرة ، كان الشيوخ الفقراء ينتقلون من جامع إلى آخر ، حيث يؤمنون لهم الطعام والمأوى مجانا .
يتميز حي طولون بجامعه الكبير ، الذي يبلغ طوله 200 قدم ، وبقلعة الكبش القديمة . بنى هذه القلعة المدعو أحمد بن طولون ، الذي ثار ، عام 265 للهجرة في وجه خليفة بغداد . مما يعني أن هذا القصر أقدم من مدينة القاهرة « * * » ومن بين جوامع هذه المدينة كلها ، يعد جامع الأزهر أكثرها قدما وغنى وأكبرها مساحة . حيث يؤمن يوميا المأكل والمأوى لعدد كبير من الفقراء . ونجد هنا معهدا إسلاميا شهيرا ، على
هامش
( * ) يسمى ماراي هذا المكان الصحراء وهو لا يتحدث عن ضريح قاعد بيه فحسب ، بل عن جوامع وأضرحة في القاهرة وضواحيها .
( * * ) وصف تاريخي لأفريقيا ، جان ليون . التاريخ العالمي الحديث ، الجزء الثاني ، ص 184 . وتاريخ ملوك مصر ، ماراي . يقول هذا الأخير : إن أحمد بن طولون بدأ بتشييد جامعه عام 263 ، وانتهى منه عام 265 ، وأن السلطان لجين المنصوري زوده بأموال طائلة ، وأنه بنى قرب الجامع مدارس كثيرة .