مواقع بعض المدن المصرية القديمة
تكثر في الكتب المصرية القديمة أسماء مدن شهدت تغيرات جذرية ، حتى أننا لم نعد نستطيع تحديد موقعها ؛ ونسمع اليوم الناس يتحدثون عن دمياط والمنصورة ومحلة الكبير وزفته وميت غمر ورشيد وفوه ومنوص وكالجوب ، وغيرها من المدن التي لم تظهر إلا منذ وقت قصير . ولما كانت الإسكندرية قد قضت على ممفيس وفسطاط الإسكندرية وفسطاط القاهرة ، سقطت المدن المصرية الأخرى تباعا وحلّت محلها مدن أخرى ، دخل معظمها طي النسيان أيضا . أما بالنسبة للمدن الأخرى ، فقد شهدت بدورها تقلبات كبيرة ؛ فبعد ترسيخ الدور السياسي في البلاد ، اتحد السكان وحققوا معا ازدهارا صناعيا باهرا ؛ ولكنهم ما لبثوا أن دخلوا عهد الانحلال . واللافت للنظر أن مدن الدلتا كلها عرفت تغيرات جذرية ؛ يقول هيرودوس في كتابه الثاني ، إن بوفيروس ( المعروفة اليوم بأبو صير ) ، كانت تقع في وسط الدلتا ؛ ويبدو أن هذا الجزء من مصر الذي كان يعرف قديما بالدلتا كان أكثر اتساعا منه اليوم ، وأنه كان يحدّه من الشرق تارة مويس ، حيث تصب القناة الكبيرة الممتدة بين قطريب والقاهرة ، في بحيرة باهر . أما عدد المدن المصرية الحالي ، فلا يوازي عدد المدن التي كانت موجودة قديما في البلاد ؛ وهذا الأمر لا يثير الدهشة ، لأن الفرس واليونان والرومان والعرب والأتراك الذين حكموا مصر تباعا ، عمدوا إلى تدمير هذا البلد الخصب ، من خلال حكامهم ، بعد أن جنوا منه أموالا طائلة ، فراحوا يقلصون سبل عيش السكان ، الذين اضطروا للهجرة منه والتخلي عن قراهم ومدنهم .
لا أظن أنه من السهل تحديد موقع معظم المدن المصرية القديمة التي ازدهرت خلال الألفي سنة الماضية . لكننا نستطيع استرجاع موقع عواصم بعض الأقاليم والمدن ، مع الأخذ بعين الاعتبار السدود التي شيّدها المصريون القدامى ، لحماية أنفسهم من فيضانات نهر النيل ، وخاصة تلك التي نجدها قرب بقايا المدن القديمة ، من هضاب وقطع صوان ، ورخام وخزف ، والجدير ذكره أننا لا نجد في مصر السفلى كميات كبيرة من المعالم القديمة الجميلة ، فقد غطى التراب معظمها مع مرور الزمن ، كما ونقلت كافة المواد ، حتى المدفونة منها تحت الأرض ، إلى مناطق أخرى ، لتستعمل في تشييد الأبنية الحديثة . ولم يكف المصريون عن التنقيب في الأماكن الأثرية بغية استخراج الحجارة اللازمة لبناء الجوامع والمنازل وحتى الأكواخ المتواضعة ؛ كما وأنهم يبحثون عن كنوز أسلافهم الأثرياء فيغربلون الأرض المحفورة بحثا عن الفضة والذهب والحجارة المنحوتة . وسأذكر لكم المناطق التي في زرتها في مصر السفلى حيث تمّ العثور على بقايا مدن قديمة . ويمكنكم مقارنة مواقعها على خارطتي . أما بالنسبة للأسماء فسأترك للعلماء الذين يحسنون قراءة كتب المؤلفين القدامى ، عناء تحديدها .
عند وصول المسافر إلى هذه الجهة من مصر ، يرى آثارا قديمة قرب الإسكندرية الجديدة ؛ ولقد قدمت