تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الرسالتين المبعوثتين للتاجرين ورجوناهما أن يجدا منزلا . لكن ، حين علما بكثرة عددنا ، وعلما منهما بأن الأوروبيين لا يستطيعون العيش كالعرب بسهولة ، اعتذرا عن تقديم هذه الخدمة لنا . وأحسسنا بسيئات كثرة العدد مرارا ، فلو كنا قلائل لتمكنا من استئجار بعض الغرف في فندق عام . وحين لم يجد لنا خادمنا منزلا مع رسائل التوصية التي نحملها ، توجّه إلى أحد مواطنيه ، وهو صائغ شريف مكة ويحظى بمكانة جيدة عند الباشا والكخيا ، فأعلمه أن هذا الأخير على علم بوصولنا وقد طلب منه مساعدتنا على النزول إلى اليابسة ، وعرض علينا منزله لليلة وأكدّ لنا أنه سيستأجر لنا منزلا آخر . أسعدنا هذا الخبر ، وفي 31 تشرين الأول / نوفمبر نزلنا إلى البرّ ، واستقبلنا الصائغ بتهذيب عميق . وسارعنا بتسليم الكخيا رسالة الشيخ ، واستقبلنا الأول بالترحاب ، وسألنا عن أحوال الشيخ وغيره من الأصدقاء في القاهرة . واعتدنا بعد ذلك زيارته ، وكان يطرح علينا أحيانا أسئلة حول الدين والعادات والتقاليد عند الأوروبيين ، واستفدنا من الفرصة لإعطائه والحضور فكرة أفضل من تلك التي يملكونها عن بلدنا . أما فكرتهم عن الأوروبيين فشبيهة بفكرتنا عن الصينيين . ويعتبرون أنفسهم أكثر حكمة من الأمم الأخرى ، بالرغم من أنهم لا ينكرون جهلهم للعلوم أكثر من الشعوب الأخرى . وأريت الكخيا الكواكب من خلال المقراب ، وكان يحلو له التحدث عن علم الفلك . ودفعه السيد فورسكال ، الذي اعتاد التردد عليه أكثر من غيره ، إلى إنشاء حديقة قرب منزله ، خلال إقامتنا في جدة ، واستقدام بعض النباتات والشجيرات التي تنتج بلسم مكة من محيط المدينة . واستغرب العرب كيف لم يفكروا بالموضوع ، علما أنهم يلاقون صعوبة في الحصول على هذا البلسم . وبعد أيام ، سلّمنا الباشا رسالة السيد دي غابلر . وكان الباشا يميل نحو علم الفلك . وأراد مني أن أحضر ساعتي الشمسية وأقيس ارتفاع الشمس أمامه ، وطلب مني إعطاءه وصفا مفصلا للآلة ، وأجبر أحد العلماء على احتساب خط عرض جدة استنادا إلى ارتفاع الشمس الذي راقبته . وأعطيت الأفضلية لآلتي على حساب الساعات الخشبية الصغيرة التي يستخدمها علماء الفلك المسلمون ، وبما أن حساباتي اختلفت قليلا عن حسابات الشيخ ، أعطيت الأفضلية للوائح علماء الفلك الأوروبيين . ولا يتكلم الباشا والشيخ سوى التركية ، لكني كنت محاطا بالمترجمين ، فخادمنا اليوناني يتكلم التركية ، فضلا عن ثلاثة مرتدين يعملون لدى الباشا ، أحدهم فرنسي والآخرين إيطاليين ، لكن أيّا منهم لم يكن ضليعا بمصطلحات علم الفلك ، فاضطررت لشرح الأمور للكخيا بالعربية مما تطلب مني جهدا كبيرا لأني قلما أتحدت مع العرب في مواضيع كهذه . وزرنا منازل عدة منذ اليوم الأول ، واستأجرنا واحدا كبيرا ، يقع على البحر . في 1 تشرين الثاني / نوفمبر ، نقلنا متاعنا إلى اليابسة ، وكان الكخيا حاضرا في الجمارك ، ولم يبق في غرفة منفردة كما يفعل الأوروبيون ، بل جلس مع بعض الموظفين في مكان مرتفع تمرّ به كافة البضائع . وتبين لنا أن هناك من يسهل لنا أمورنا ، فلم يكتف الموظفون بفتح صناديق التجّار ، بل قاموا بعدّها وتفتيشها بدقة ، وبما أن