تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١

ملاحظات في جدة

لم يساورنا الشعور بالخوف قط من سكّان مدينة بقدر ما خفنا من سكان جدة قبل أن ندخلها ، وذلك بعد أن رأينا الازدراء الذي يعامل به الأوروبيون في مصر ، إذ ظننا أن عداوة المسلمين للمسيحيين ستزداد مع اقترابنا من المدن التي يعتبرونها مقدسة ، وقد زادتنا طريقة تصرف سكّان ينبع مع رفاقي اقتناعا بهذا المنطق ، لكن تبين لنا أننا على خطأ . إذ لم يعتد أهالي جدة إلا على رؤية الأوروبيين القادمين من الهند للتجارة ، وهم يرتدون الملابس الأوروبية ، وبما أننا قادمون من منطقة أخرى ، وقد لبسنا الثياب الشرقية ، ساور أهالي المدينة الشك تجاهنا في البداية ، لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا خطأهم . وقد عرفنا من قبل العديد من المسافرين الذين وصلوا حديثا ، ولم يعد سكان المدينة يعيروننا اهتماما لأنهم لم يجدوا في لباسنا ما يريب . فزرنا المقاهي والأسواق ، وتنزهنا قرب البحر وفي المدينة ومحيطها دون أن يتعرّض لنا أحد . والأمر الوحيد الذي لا يسمح به أهالي المدينة لغير المسلمين هو الاقتراب من الباب الواقع من جهة مكة ، وقد أعلمنا بالأمر ، فالتزمنا به . وساعدتنا رسائل التوصية التي حملناها ، فقد أوصى بنا السيد دي غابلر الباشا حاكم جدة والذي يعرفه معرفة شخصية من القسطنطينية . وكنا نحمل رسالتي توصية من تاجرين في القاهرة إلى أكبر تجار جدة ، وأخرى من شيخ إلى كخيا المدينة ، وهذا الشيخ هو كاتب أحد أكبر علماء جامع الأزهر في القاهرة . ولم نكن نتوقع الكثير من رسالة التوصية التي زودنا بها الشيخ ، لكنها أفادتنا أكثر من الأخريات . وهذا الأخير هو من من أصل تركي ، وبالتحديد من الجزء الأوروبي منها ، وقد سمع في موطنه وفي القسطنطينية الكثير عن تفوق الأوروبيين على المسلمين في مجال العلوم ، ولم يكن بإمكانه قراءة كتبنا ، ولم يصادف علماء أوروبيين من قبل ، فاعتاد زيارتنا . وبالرغم من كونه مسلما مؤمنا ، ومتطيّرا للغاية ، ومتفاخرا حيال أتباع الديانات الأخرى ، إلا أنه رجل شريف وصديق وفيّ لغيره من الرجال . وعلّمه السيد فورسكال كيفية استخدام المجهر ، وأعطاه معلومات عامة عن النباتات ، أما أنا فعلّمته الرسم ، ودللته على توابع الزّهرة ، وحلقات زحل وغيرها من الأمور التي لم يسمع بها من قبل ، وقد شهد ليال طوالا معي وأنا أقوم بدراساتي الفلكية . واستفدنا من وجوده إذ تمرّنا على اللغة العربية ، واطلعنا على أمور ما كنّا لنعلم بها لولاه . وكان هذا الشيخ قد علّم الكخيا
( Kichja )
في جدة كيفية استخدام الكرة ، وكتب له يوصيه بنا وبعث برسالته مع آخر قافلة من دون أن يعلمنا ، ثم أعطانا رسالة موجهة إلى الكخيا يطلب منه الاهتمام بنا ، وسألنا أن نعلّم هذا الأخير ما أطلعناه عليه . وقررنا تسليم الرسائل الموجهة للباشا والكخيا شخصيا ، فأرسلنا خادمنا اليوناني إلى المدينة وهو يحمل