تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
الصرح صرحا آخر ، أصغر منه ، وأقل منه جمالا . ولا يملك الدير إلا بوابة واحدة مسورة ؛ فترفع بواسطة حبل يمر في بكرة . نرى أمام الدير بستانا مملوءا بالأشجار المثمرة ؛ ولقد أكد لي العرب أن الكهنة يستعملون سردابا للدخول إلى الدير والخروج منه . يحظر استقبال الغرباء في الدير أو الأوروبيين ، إلا إذا كانوا يحملون رسالة من أسقف طور سيناء ، المقيم في القاهرة . وعلمنا بالأمر في مصر ، وحاولنا مقابلة الأسقف المذكور ؛ ولكنه كان يقوم بزيارة القسطنطينية ؛ فلم نستطع الحصول على رسالة من قبله لكهنة الدير . غير أن سفير إنكلترا في القسطنطينية سلمنا رسالة من البطريرك المعزول الذي أمضى أكثر من ثلاث سنوات في هذا الدير وعاد إليه منذ فترة قصيرة . ولم يخطر في بالنا أبدا أنهم لن يسمحوا لنا بالدخول بناء على توصيته . وانتظرنا وقتا طويلا قبل أن يرسل لنا الكهنة موفدا عنهم . ولما علم أننا أوروبيون ، طلب منا رسالة الأسقف ، فشرحنا له ما حصل وحاولنا أن نعرض عليه رسالة البطريرك المعزول . ولكن طلبوا منا الانتظار قليلا قبل أن يقترحوا علينا إدخالها من خلال حفرة في السور . في تلك الأثناء ، تجمع العرب الذين رأوا من الجبال المجاورة ، وصول أجانب إلى الدير . ويقال إنهم كانوا يطلقون النار على الدير من أعالي الجبال ويختطفون الزوّار عند خروجهم من الدير ، ويطلبون فدية مقابل إطلاق سراحهم . كما وأنهم يطلبون مبلغا محددا من كل حاج يحمل الإذن بالدخول إلى الدير ، وخلال زيارة الأسقف تبقى بوابة الدير مفتوحة ، ويقدم الطعام لكافة العرب الذين يؤمون الدير خلال هذه الفترة ؛ وهذا الأمر يكلف الكهنة أموالا طائلة ، خاصة وأنهم يعيشون من الصدقات ؛ علما أنهم يجلبون مؤنهم من مصر ، وتتعرض قوافلهم للسلب في الطريق . وشاهدنا نموذجا عن معاملة العرب للكهنة . واحتد واحد من الذين أتوا بدافع الفضول لمقابلة الأجانب لحث الكهنة على إعطائه خبزا . ولما حاولت تهدئته نعتهم بالوحوش ، لأنهم رفضوا إعطاء الخبز لكائن حي دق بابهم جائعا . خلال انتظارنا أمام بوابة الدير ، اغتنمت الفرصة لرسم الصرح وجزء من الجبال التي يطلق اليونانيون على واحد منها اسم جبل سيناء راجعوا اللوحة
( XLVIII )
. ورسمت لاحقا الدير من زاوية أخرى ، ومن على مسافة بعيدة ( راجعوا اللوحة
( XLVIII )
) « * » . وبعد أن درس الكهنة أمرنا مطولا ، أعيدت الرسالة دون أن تفض . واعتذروا عن استقبالنا في الدير ، رغم أن الرسالة موجهة من البطريرك ؛ فهم لا يستطيعون فضها ، لأنها ليست مرفقة برسالة من الأسقف الذي يحق له وحده منح الإذن بالدخول . عدنا إذن أدراجنا حتى نحول دون تجمع المزيد من الناس حول
هامش
( * ) نجد في كتاب نيتشه صورة لجبل سيناء ، ولكنها تختلف تماما عن صورتي . وأظنه أخذ رسمته عن اليونانيين دون أن يراها بنفسه ، لأنني اشتريت في القاهرة صورة حفرها يوناني على الخشب . وتظهر فيها جبال سيناء وحريب والقديسة كاثرين مصورة بالطريقة نفسها . ويبدو أن الكهنة اليونانيين لم يحظوا حتى اليوم على صورة أفضل لهذه المنطقة المميزة ، رغم أنهم يقطنون فيها منذ عدة أجيال والتقيت في منزل أسقف جبل سيناء رساما إسبانيا ، أتى من مانيلا إلى القاهرة بعد أن قطع بلاد الهند والخليج العربي واعتنق الديانة المسيحية في القاهرة . وكان يرسم المنظر نفسه بالألوان الريفية ولوحته على قدر كبير من الجمال .