تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
ذلك ، وأي شعب في أوروبا كلها لا يبدي نهما للذهب يفوق بكثير ما نجده عند أولئك البدو من حب المال : والفارق الوحيد بين الحالتين هو أننا في أوروبا نختلس بمهارة ، ونغش ، ويبيع المرء ضميره وشرفه ، بينما يفرض العربي المال على القوافل ، ويغزو أعداء قبيلته من القبائل الأخرى علنا ، ويعرّض حياته للخطر ، ويقترن كل ذلك في ذهنه بمصادفات الحرب ، وأخطارها ، وقوانينها ، وتكون تلك الأفعال مطبوعة في الوقت نفسه بضرب من السمو لا تجده بالتأكيد في الاختلاس الصامت والخفي الذي يمارسه الأوروبيون . ليس لدى الأتراك ما يقدمونه مقابل هذه المناقب والمثالب إلّا المثالب الخالصة ، ومناقب لم تعد موجودة ؛ فالشجاعة التي كانت مصدر قوة أسلافهم ونجاحهم لم تعد موجودة لديهم إلّا في الحكايات ؛ فلا يكاد أحد ينجو من شراستهم ، ولا يعادل عنفهم / 302 / إلّا غدرهم ؛ وهم فاسدون بلا رادع : فالجشع الذي لا يشبع ، والارتشاء بلا خجل ينتشران في كل الأعمال العامة والخاصة ، من أعلى موظفي الإمبراطورية إلى أدناهم . إذا ، إن العرب يتفوقون عليهم إن في الجانب الأخلاقي ، وإن في الذكاء ، والعقلية ، والثقافة . وليس بالغريب انطلاقا من ذلك كله أن يعاني العرب معاناة مضاعفة من تبعيتهم للأتراك ؛ لأن ذلك طغيان أجنبي ، ولأن الذين يمارسونه هم زعماء محليون . لقد حاولوا في وقت قريب التخلص من نير الأتراك ، ولكن المشروع كان ينقصه الاتحاد ففشل . جرى القتال في مكة المكرمة ، وخرّ مئة من العرب صرعى في المواجهة الأولى ، واستولى الأتراك على المدينة المقدسة ، واستعادوا الطائف التي كانت قد أعلنت استقلالها عنهم ، واللّه وحده يعلم ماذا فعلوا بعد نصرهم ! أتعرفون من كان على رأس الحركة ؟ إنه الشريف عبد المطلب الذي تعرفنا إليه في هذه الرحلة ، والذي امتدحت خصائله باستطراد ، والذي استطعت على الرغم من تحفظه ، الوصول إلى ميوله الحقيقية . ولمّا كان مقتنعا بضرورة التمرد فقد قام السلطان بنزع صلاحياته ، واستبدل به ابن عون الذي كان عبد المطلب نفسه قد حل محله قبل خمس أو ست سنوات ، وهو يقيم في إستانبول . وقد وقع عبد المطلب بعد زمن بأيدي الأتراك فحملوه