تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
اللحظة احتراما واستلطافا لم تزدهما التجربة الطويلة إلّا تمكنا . وكانت إحدى قبائل الجوار « 1 » باتجاه الجنوب ، والتي آسف لنسيان اسمها ، تدّعي بحق أنها تتكلم العربية الفصحى في الجزيرة العربية . وبعد أن استبدلت آسفا كل الأسف بالهجان الرائع الذي كنت أركبه بغلا ، وبالرحل الحريري المزين بالفضة سرجا من الجلد كانت له كثير من صفات البردعة . ركبت الطريق متأخرا . وكانت تضاريس الأرض قد تغيرت تماما : إذ حلت محل الرمل أرض صلبة ووعهرة ، كان يصدر عن حوافر البغال عند وقوعها عليها صوت يشبه صوت احتكاك المعادن . وبعد ميل على / 224 / الأكثر قطعناه في أرض سهلية ، دخلنا في مضيق واسع في بدايته ، ولكنه يضيق بعد قليل منكمشا ، ويرتفع تدريجيا . وتمتد على جانبيه دكك كبيرة من النضيد الرخامي بطبقات أفقية . كان جبل كرا الذي كنا حينئذ نتسلق أولى منحدراته ينتصب أمامنا ، وكأنه يتحدانا ، كانت جوانبه متصدعة متشققة ، وقممه جرداء ومنحوتة على شكل قباب ورؤوس مسننة . إن الجبال التي لا تزال على حالة خلقها الأولى أكثر توحشا ووعورة من جبال العصور التالية . إنها هياكل من بداية العالم ، كانت ، كما نرى ، عرضة للهزات ، وجعلتها الاختلاجات العميقة متعرجة ، وهدمتها الاندفاعات الهائلة . تلك هي طبيعة جبل كرا ، كتلة جرانيتية انبجست في بداية الخلق ، مثل جبل سيناء ، من أحشاء الكون . تغشاه الشمس كاملا عند غروبها ، وتضفي فجأة على كل النتوءات درجة إشراف الألوان الذهبية والسوداء مما يمنحها انعكاسا مدهشا . كانت تلك اللحظة قصيرة ، ولكنها مهيبة . كان الغسق قد بدأ يخيم على الأجزاء السفلية من الجبل عندما تلفتت فرأيت بعيدا ورائي جبلا آخر منفردا ، ضخما يغشاه أيضا حتى قواعده لون زهري فاقع . يسمى ذلك الجبل كبكب ، وهو واحد من أعلى جبال الحجاز . أرخى الليل سدوله مبكرا على المنظر / 225 / الرائع ، وأدركنا في أكثر مناطق المضيق الذي نسلكه وعورة ،
هامش
( 1 ) انظر : رحلات بوركهارت . . . ، موثق سابقا ، ص 69 .