تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى الحجاز — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
مئة خطوة ، وأعدّ لنا هناك قرب النبع وجبة طعام بسيطة ، كان ماء النبع البارد والنمير أبازيره المناسبة . وظهر في إعداد الوجبة ما عرفناه من أناقة الشريف في كل أفعاله . كان النظر من هذا الموضع يقع ، إذا نظرنا إلى الخلف ، على هوة واسعة من الحجر خرجنا من قعرها الذي تستطيع العين بهلع أن تقدر مدى عمقه : إذ تنتشر في كل مكان شعاف جرداء ، وجروف شاسعة ، ومنحدرات مذهلة . كان يشيع في تلك الطبيعة المخيفة صمت عميق ، لا يقطعه إلّا أصداء بعيدة لأصوات بعض الرعاة الذين لا نراهم . وفي الأفق البعيد نحو الغرب ، وفيما وراء تلك الشعاف ، كان يقبع بجلاله وانفراده جبل كبكب الرائع الذي بدا لي في مساء اليوم السابق ، وقد غشاه لون وردي جميل . أما الآن فيغشاه لون أزرق لامع ، أكثر غمقا من لون السماء ، كان ينتصب في الأفق وكأنه جدار من الفولاذ الأسمر . أمّا جبل كرا فيسكنه نزلاء أكثر حبا للسلم ، أعني القرود التي يحمل كل ما يمكن القبض عليه منها إلى مكة المكرمة ، ويحملها الحجاج معهم من هذا المكان إمّا إلى دمشق وإمّا إلى القاهرة حيث رأيت عددا منها يصل إبّان الحج الأخير ، / 229 / ولكنني في مقابل ذلك لم أر أيا منها حرا متوحشا في الطبيعة . ويروي الناس بخصوصها حكاية ، يضحك العرب لها كثيرا ؛ إذ يروى أن المطر أصاب بضاعة أحد تجار الطرابيش فبلّلها ، فنشرها في الشمس لتجفيفها ؛ وما إن رأت القرود ذلك حتى هرعت من كل أنحاء الجبل ، وكم كانت دهشة التاجر عندما رآها تتواثب حوله ، وقد