تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى الحجاز — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
كان فوق بعض الأبواب نقوش محفورة في الحائط ، ومخصصة لدفع شر العين الشريرة « 1 » ، وهذا معتقد عالمي نجده في الشرق والغرب معا . وبينما كنت مشغولا بالنظر إلى أحد تلك النقوش الخرافية محاولا تفسيره ، أطلت إحدى العجائز برأسها ، وبدا أنها تظن أنني لم آت إلى هنا إلّا بقصد إصابة منزلها بالعين ؛ لذلك نظرت إليّ نظرة ملؤها الحقد والخوف والرعب ، حتى إنني كنت سأصعق لو كانت النية تكفي لذلك . في الشرق لا نحدق في الأشياء أيا كان نوعها ، بيتا أم حيوانا ، أم شخصا ، أو حتى شجرة ، دون أن يصبح من يحدق مشكوكا فيه ، ويتّهم بأنه عائن . كان حمالة القاهرة ينزعجون عندما كنت أتوقف أمام البيوت التي كانت أبوابها أو شرفاتها تلفت نظري ، وقد جرّ علي فضولي الكثير من لعناتهم . / 110 / أما في ينبع فقد رأيت مشهدا معاكسا لذلك المشهد الصامت مع العجوز ، كان هناك فريق من الأولاد ، وكانوا عراة ، وأكبرهم لا يتجاوز الرابعة من عمره ، وكانوا يقيمون حفلة صاخبة لم يقطعها وجودي بينهم . كان أحد الأولاد يقرع بضربات مزدوجة على دربوكة أكبر منه ، وكان الآخرون يرقصون وقد تحلقوا وسط الغبار . ولو أنني كنت بارعا في الرسم براعة ديكام « 2 »
Decamp
، لكان باستطاعتي أن أرسم هنا لوحة تكون نظيرة لوحته المسماة : لحظة الانصراف من المدرسة العربية
La Sortie d'ecole arabe
.
هامش
( 1 ) قارن بما في كتاب : التراث الشعبي . . . ، موثق سابقا ، ص 65 . ( 2 ) الكسندر - غابرييل ديكامAlexandre - Gabriel Decampرسام فرنسي ولد في باريس عام 1803 م ، ومات في فونتين بلو ( قرب باريس ) عام 1860 م ، قام برحلة إلى الشرق تركت آثارها في إنتاجه الفني ، وجعلته يتأثر بأضواء الشرق وألوانه وقسماته المميزة حتى أصبح يعد بين الرومانسيين ، وتناول موضوعات شرقية مثل المدرسة والسوق والجبال ، ويدين للشرق بأجمل لوحاته ومنها : لحظة الخروج من المدرسة .