تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أفوقاي الأندلسي — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
في نصف النهار معتدلة ، ثم نمسك عن الأكل إلى الليل ، وفي أوله نأكل أقل طعاما مما أكلنا في نصف النهار ، قلت له : ما السر في الصوم والمراد به ؟ لأننا في ديننا هو لنرد النفس عن الشهوات ، ونزيل من قوتها بالصوم ، قال لي : ونحن كذلك ، قلت له : بل تزيدون في قوتكم بهذا الصيام ، قال لي : كيف ذلك ؟ قلت له : قال بقراط وجالينوس وابن سينا ، وجميع الأطبا متفقون معهم أن لحفظ الصحة ينبغي أن يأكل الإنسان في نصف النهار أكثر مما يأكل في الليل ، وصيامكم على مقتضى هذه القاعدة فلا يزيل الصايم شيئا من قوة الجسد بل يزيد فيه قوة لأن من حفظ الصحة تزداد القوة . وتكلم القاضي مع الجميع بالفرنج لأنه كان يعرف كما قلنا اللسان العجمي الأندلسي ، وهم يدبرون بينهم ماذا يقولون لي ؟ ثم قال : اعلم أننا في أيام الصيام ما نأكل لحما ، وفي غيره نأكل لحم الدجاج ، ولا يخفى أن لها قوة ، لا سيما الخصيء منها له قوة ، قلت له : نعم ، لحم الدجاج له قوة وغذاء نافع والقليل منه يكفي الإنسان ، وإذا لم يكن اللحم ، ووجد أطعمة كثيرة مثل هذا الذي رأيته بين أيدينا هنا فيأكل الإنسان من كل نوع حتى يصل إلى قوة اللحم في الغذا ، ولكن في أكثر مقدار من الطعام ، وكان ذلك في أيام صيامهم . فأخذوا في الكلام فيما بينهم لعلهم يجدون ما يقولون ، وما اتفق لهم شيء لتقوية حجتهم ، وانتقل إلى مسألة أخرى ، وقال : ما السبب حتى منعكم نبيكم الخمر ؟ قلت : منعه الله تعالى لأن أفضل ما تكرم به على بني آدم هو العقل ، والذي يزيله هو الخمر وهو أقبح المسائل كلها ، قال : حتى عندنا هو ممنوع أن يشرب الإنسان منه حتى يسكر ، قلت : ظهر لي أنه ممنوع لكم في الإنجيل ولا انتبهتم له ، قالوا : في أي موضع ؟ قلت : في الدعاء الذي أمركم به سيدنا عيسى عليه السلام أن تدعو به ، وأوله : أبونا الذي في السماء إلى أن تقولوا : ولا تدعنا نقع عند فتنة النفس ، وآخرون يترجمون : « ولا تدخلنا التخريب » ، وهم الأكثر ، والأول عندي هو الصحيح ، قالوا : عندنا هذا ، قلت : هل يجوز أن تأخذ الفتنة بيدك ، وتطلب أن لا يدع تقع عندها ؟ لأنك إذا زدت من الخمر قليلا عن العادة يذهب بالعقل ، وإذا ذهب وقعت في الفتن ، مع طلبك الله أن لا يدعك تقع ، قال : نحن نتحفظ في شربنا حتى لا يذهب العقل ، قلت لهم : عندي أن من هو مثلكم قضاة ، وعلماء ، ومن أكابر الناس ، إن الإنصاف للحق موجود عندكم ، والبعد عن