العالي منها على أكثر الناس ، بخلاف المرسل ، فانفردت به يومئذ ، وكان مستغربا عندهم بين أهل الصناعة .
ثم أخذت نفسي بالشعر ، فانثال عليّ منه بحور ، توسّطت بين الإجادة والقصور ، وكان مما أنشدته إياه ، ليلة المولد النبويّ من سنة اثنتين وستين وسبعمائة :
أسرفن في هجري وفي تعذيبي * وأطلن موقف عبرتي ونحيبي « 240 »
وأبين يوم البين وقفة ساعة * لوداع مشغوف الفؤاد « 241 » كئيب
لله عهد الظاعنين وغادروا * قلبي رهين صبابة « 242 » ووجيب « 243 »
غربت ركائبهم ودمعي سافح * فشرقت بعدهم بماء غروب « 244 »
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم « 245 » * رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإنني * ماء الملام لديّ غير شروب « 246 »
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى * لولا تذكّر منزل وحبيب
هامش
( 240 ) النحيب : البكاء .
( 241 ) مشغوف الفؤاد : مريضه .
( 242 ) الصبابة : الشوق .
( 243 ) الوجيب : الاضطراب والخفقان .
( 244 ) الغروب : الدموع حين تخرج من العين .
( 245 ) نقع الماء غلته : أروى عطشه .
( 246 ) الشروب : الذي يشرب ، وفي الإحاطة : الشريب ؛ وهو العذب .