تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩

من فصل لقاء الأمير تمر سلطان المغل والطّطر

لمّا وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر ملك بلاد الرّوم وخرّب سيواس ورجع إلى الشام ، جمع السّلطان عساكره وفتح ديوان العطاء ونادى في الجند بالرّحيل إلى الشام ، وكنت أنا يومئذ معزولا عن الوظيفة ، فاستدعاني دواداره يشبك وأرادني على السّفر معه في ركاب السّلطان ، فتجافيت عن ذلك ، ثم أظهر العزم عليّ بليّن القول وجزيل الإنعام ، فأصخيت وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث ، فوصلنا إلى غزّة فأرحنا بها أياما نترقّب الأخبار ، ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الطّطر إلى أن نزلنا شقحب . وأسرينا فصّبحنا دمشق ، والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك قاصدا دمشق ، فضرب السّلطان خيامه وأبنيته بساحة قبّة يلبغا ، ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد ، فأقم بمرقب على قبّة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر ، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثا أو أربعا ، فكانت حربهم سجالا . ثم نمي الخبر إلى السّلطان وأكابر أمرائه أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها ، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم واختلال الدولة بذلك « 1 » . فأسروا ليلة الجمعة من شهر [ جمادى الأولى ] وركبوا جبل الصّالحية ثم انحطّوا في شعابه وساروا على شافة البحر إلى غزّة ، وركب الناس ليلا يعتقدون أن السّلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر ، فساروا عصبا وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر ، وأصبح أهل دمشق متحيّرين قد عميت عليهم الأنباء .
هامش
( 1 ) هذا في الواقع سبب سقوط دمشق بيد تيمور لنك ، لانسحاب الناصر فرج إلى مصر خوفا على ملكه المضطرب فيها . راجع ما يرد أدناه في نصّ الأمير تغري بردي الظاهري ، الذي توجّه إلى الشام بحملة حربية بغية ترتيب قوّاتها للدفاع في وجه الغازي المغولي الرّهيب . لكن للأسف ذهبت جهوده أدراج الرّياح بسبب شكوك أعوان السّلطان بأنه موال للثائرين على النّاصر بدمشق ، فراحت دمشق ضحية السياسة الخرقاء .